الأربعاء، يونيو 24، 2009

التربية على المواطنة – مقاربة فلسفية[1]



يذكرنا Michel Onfray[2](...) ببعض الأفكار ذات المظهر البديهي من قبيل أن" تاريخ الفلسفة لا يتطابق مع تاريخ الفلسفات"، فهذا الأخير يحيل بشكل أساسي على خطابات نظرية حول الأفكار الفلسفية وحول مختلف الفلاسفة والتي يتم الاكتفاء بتقديمها جاهزة. فضلا عن أن " الفلسفة لا تستطيع أن تحافظ على تأثيرها، وقوتها الإقناعية العامة، إلا عندما تطبق على موضوعات الحياة والعالم". يبدو لنا هذا التصور مهما حتى وإن تعلق الأمر هنا بموقف لا يمكن ربما لفيلسوف، مثل هايدغر، أن ينخرط فيه.
إننا إذن، ندافع عن فكرة أن الاستفزاز/التحفيز أداة بيداغوجية رئيسية ، وهي ليست كذلك إلا لأنها تمس المتعلمين وتعطي بالتالي المعنى للتعلمات. وهنا من اليسير استعمال نصوص حاملة لمواقف متعارضة، والتي تعكس الطرق المختلفة لمعالجة المشكلات فلسفيا. ونحن لا نعدم في الفلسفة آراء متناقضة يمكن دحضها بحيث لا نتفق مع هذه ولا مع تلك!
هكذا يمكن للمدرس أن يتخذ أمثلة ويعالجها متوسلا بمنهج"حل المشكلات" مغذى بنصوص فلسفية. وهذا يدخل في صلب " الوضعيات-المشكلات" المعروضة هنا.

1- كل الحقيقة حول جريمة قتل
[3].
*الأهداف:
- فتح الأفق لسيرورة تفكير مستعرضة مع المواد العلمية.
- النفاذ إلى مفهوم"الحقيقة".
- التفكير في بعض المشكلات مثل: هل هناك حقيقة أم حقائق؟ كيف نميز بين الحقيقة والخطأ، وبين الحقيقة والكذب؟ ما الفرق بين الحقيقة العلمية والحقيقة الفلسفية؟ هل تفرض الحقيقة نفسها كمعطى أم أنها تبنى؟
*المستوى:
بشكل أساسي انطلاقا من السلك الإعداد، كما يمكن أن نعالج هذه المشكلة في نهاية السلك 3 من المدرسة الابتدائية لكن مع الوقوف عند حدود بعض الاشكالات).
*الوضعية المشكلة:
حدثت جريمة قتل في الشارع. كان مارك وجون-بول يتجولان في الجوار، فوجدا آلان بالقرب من الجثة، حاملا أداة الجريمة بيده. ليس هناك شاهد عيان. وهذه هي خطاطة المكان الذي وقعت فيه الجريمة:
استنطقت الشرطة الأشخاص الذين كانوا في الجوار.
- شهادات:
مارك: كنا نتجول أنا وجون بول، لما سمعنا دوي طلقة نارية، انعطفنا مع زاوية الشارع فوجدنا آلان بالقرب من الجثة، حاملا هذا السلاح في يده.
جون بول: انعطفنا مع زاوية الشارع فوجدنا آلان قد قتل للتو هذا الشخص، حتى أنه كان مايزال حاملا السلاح بيده.
آلان: كنت أتجول في هذا الشارع، لما صادفت هذا الشخص(يشير إلى الجثة)، وبعد برهة، سمعت دويا كبيرا، التفت عندها فلمحت هذا الشخص ملقا أرضا، والدخان ينبعث من هذا السلاح الملقى قربه، تهيأ لي أني سمعت وقع خطا، كان أحدهم يجري فارا على قارعة الشارع، التقطت إذن السلاح لكي ألاحقه، فإذا بمارك وجون بول يصلان".
ثلاثة شهود آخرين:" سمعنا طلقة نارية، فواصلنا طريقنا في نفس الاتجاه، فلم نصادف أي شخص قبل أن نصل قرب الجثة لنجد هؤلاء الأشخاص الثلاثة( يشيران إلى مارك، جون بول، وآلان).
في غياب أي عنصر آخر، قررت الشرطة اعتقال آلان.
شهادة مفوض الشرطة:" كل العناصر تجعلنا نستنتج بأن الفاعل هو آلان"
هل يجب محاكمة آلان؟ أجوبة فردية.
لكن هل الأمر بهذه البساطة؟ أين الحقيقة؟ وما العمل لكي نحاول بلوغها؟
يشكل التلاميذ مجموعات حسب ما إذا كانوا يتهمون آلان أو يدافعون عنه، بحيث عليهم بناء صك اتهام أو مرافعة دفاع.
* عائق وقطيعة:
- لا تسمح لنا الشهادات بأي حال من الأحوال بمعرفة الحقيقة بصورة مطلقة.
- الحقيقة في آخر المطاف، هي صنيعة بشرية نسبية حسب الأزمان، ووجهات النظر، والأشخاص...
- الحقيقة ترسى عبر منهج ينطلق من فرضية منذورة للتحقق. إنها تتجلى في حكم. وترتكز على أدلة موضوعية. إنها عملية إعادة بناء يقوم بها فكرنا. وهي ليست تناقضية. والأدلة يمكن أن تكون مباشرة أو غير مباشرة. أما ضد الحقيقة فيمكن أن يكون الكذب أو الخطأ.
- " عندما نتحدث عن الحقيقة فنحن نفهم نوعين من التأكيدات/الاثباتات: من جهة، نقصد فكرة أن هناك شيء فريد نسميه "ال"حقيقة. يكون مستقلا عن الإنسان ويفرض نفسه عليه بشكل خارجي. هذه الحقيقة تتوافق مع الواقع، ومع حوادث العالم الملموس كما تجري فعلا.
ونفهم من جهة أخرى، أن الحقيقة نسبية، بالنظر إلى كل فرد، وكل ثقافة، وكل نظام سياسي أو اجتماعي أو فكري. ومن ثمة فليست هناك حقيقة يمكن أن تلغي الحقائق الأخرى، بل إن لها جميعها نفس القيمة."
- يقود النوع الثاني من الإثباتات إلى النزعة النسبية:"إثبات أن كل ثقافة تستحق الاحترام في ذاتها، ونفي إمكانية أن تفرض منظومة معينة من القيم نفسها على المنظومات الأخرى. وبالتالي فالأمر يتعلق بوضع منظومة من القيم بحيث يكون أحد مكوناتها، على سبيل المثال، احترام الاختلاف.
- هكذا إذا مضينا قدما، فإن قيمة معينة تسود، وتدعي الكونية وتقود إلى رفض القيم الأقل كونية. يبدو أننا نقف أمام مفارقة داخلية عندما نؤكد على ملائمة النزعة النسبية المطلقة­ (...)
- " الكذب والخطأ: نمارس الكذب عندما نستعمل الكلام أو الصمت بصورة تؤدي عمدا إلى بتر الحقيقة وخداع المتلقي. وعندما تبتر الحقيقة، بدون أن تثير شكوك حسنا السليم، هنا نكون قد ارتكبنا خطأ"
- يمكن أن نمدد النقاش الذي فتحته هذه الوضعية- المشكلة متوسلين بالوضعية-المشكلة الموالية.




2- الحقيقة العلمية:
ساعة مغلقة
[4]؟
* الأهداف:
- الشروع في فهم ما هي الحقيقة العلمية.
- التعرف على كيفية اشتغال العالم في محاولته لفهم العالم.
* المستوى:
انطلاقا من الاعدادية.
* الوضعية المشكلة:
- كيف يشتغل العلم؟ هاهنا تفسيران مقدمان من طرف عالمين كبيرين:"في غمار الجهد الذي نقوم به من أجل فهم العالم، مثلنا كمثل رجل يحاول أن يفهم آلية ساعة مغلقة. إنه يرى مينا الساعة وحركة عقاربها، ويسمع دقاتها، بيد أنه يفتقر إلى أية وسيلة لفتح الساعة"(A.Einstein, k. lafeld. L’Evolution des idées en physique).
يقدم المدرس ساعة أو بضع ساعات ميكانيكية للتلاميذ مع منعهم من فتحها.
من أجل محاولة فهم ما يريد العلماء قوله، يقترح المدرس القيام بما قالوه:" كيف تشتغل هذه الساعات؟"( رسم توضيحي فردي أو من الأفضل بواسطة مجموعات.)
- بعد ذلك تتم ملاحظة الجزء الداخلي للساعات، لرؤية إلى أي حد يتناسب مع الرسومات التي قام بها التلاميذ." لماذا لا يتطابق أي من الرسومات مع الواقع؟"
- والآن أنت عالم، ما الذي يمكنك القيام به لفهم اشتغال الساعة؟
إنجاز خطاطة توضيحية أخرى، ونتحقق من جديد.
- ما بعد المعرفةMétacognition:" كيف اشتغلتم؟"" وكيف يمكن أن يتجلى المشكل إذا لم يكن في الإمكان فتح الساعة؟"
نصل إلى مقاربة أولية للكيفية التي يشتغل بها باحث علمي.
* عائق وقطيعة:
هذا لا يشكل غير مدخل لمقاربة ماهية العلوم.
ليس من البساطة بما كان فهم ماذا يعني بحث علمي، بالاكتفاء بالتعريف التالي:"إصدار فرضيات ومحاولة التحقق منها".بل من المهم أن يتم هذا الفهم في علاقة مع العلوم التجريبية و/أو التكنولوجيا.
تتطلب حقيقة علمية ما التعبير عن الشروط الموضوعية التي انطلاقا منها تم بناؤها، والمناهج التي تم استعمالها...إلخ."
ما نسميه حقيقة علمية لا يعني غير الفرضية العقلانية التي هي في نفس الآن الأكثر بساطة في صياغتها والأكثر احتمالا ومعقولية بالمقارنة مع المعارف التي نتوفر عليها. إنها إذن حقيقة زمنية(حقيقة اللحظةََ!).
يمكن أن نعتقد أن الحقيقة أعطيت لنا." المؤمنون يتحدثون عن حقيقة تم كشفها(...)، إذ ينزل الله ، بصورة مباشرة، كلاما يكشف من خلاله حقائق تتجاوز مجرد التفكير العقلاني. ومع ذلك فالمؤمن يعرف أن التعبير الإلهي المباشر يمر عبر وساطة أفواه الرسل. لا يفعل المؤمن إذن إلا أن يؤمن بالله ولكن، في واقع الأمر، فهو يسلم بأن ما قاله له الرسول هو كلام الله نفسه. تتم إذن عملية بناء عقلي من طرف المؤمن، إلا إذا اعتقدنا بأن كل فرد يتلقى اشراقات إلهية على نحو مباشر".
هل يحدث الأمر نفسه على مستوى"العلم"؟
بتوظيف مثال الساعة والمنبه، ألا نكون بصدد خلق تمثل للعالم ذو نزعة آلية/حتمية، والذي هو في حد ذاته مجرد نموذج يمكن أن يقودنا إلى أخطاء؟
نعلم أن هذا النموذج قد وضع إنشطين أمام صعوبة في العلاقة مع نظريات اللايقين/اللاتحدد( "الله لا يلعب النرد..."). وبذلك فمثال الساعة المغلقة ليس إلا نموذجا تمثيليا... يجب أن نعي حدوده!
هناك عائق آخر يجب أخذه بعين الاعتبار: على الرغم من أن هذا المثال يبدو واضحا، إلا أنه عصي على الفهم أحيانا بالنسبة لتلاميذ السنة النهائية أنفسهم... الذين يعتقدون أن العلم"يعرف"، ويقرأ العالم، ولا "يسقط" فرضياته على العالم. ولكن أليست المدرسة نفسها هي المسؤولة عن هذا الخطأ؟ ألا يعد التطرق لهذا المشكل رهانا جديا؟

3- مبولة Urinoir...باعتبارها عملا فنيا؟
*الهدف العام:
الشروع في فهم ما هو الفن؟
*المستوى:
الإعدادي، والثانوي، عندما يتم التطرق إلى الموضوع في دروس الفنون التشكيلية أو في درس الفلسفة.
* الوضعية المشكلة:
في سنة 1917، أرسل مارسيل دوشانMarcel Duchamp، دون الكشف عن هويته، مبولة مصنوعة من طرف شركة لصناعة أدوات الحمام، إلى لجنة فنية(كان هو نفسه أحد أعضائها). شيء واحد يميز هذه المبولة عن مثيلاتها: توقيع(باسم مستعار).
أهي مزحة إذن، أم ثورة جمالية؟ هل يمكن لمبولة أن تغدو عملا فنيا؟
* عائق و قطيعة.
من الصعب بدءا أن نقبل اعتبار مبولة عملا فنيا، حتى لو كانت تحمل توقيعا: ألا نسمع مرارا ونحن أمام لوحة تجريدية في أحد المعارض عبارات مثل:" يمكنني أن أرسم شيئا يضاهي هذا"؟ ومع ذلك فهذه الوضعية المشكلة تستند على توجه واقعي حفز فعليا ثورة في عالم الفن. يمكننا القول بأن هذه القطيعة الثورية تزامنت مع ظهور ready-made التي ساهمت في دفع الفن إلى صف الحداثة.
وهكذا "كان دوشان الأب المبدع لكل شيء تقريبا مع أنه لم يكن مبدعا لشيء.
[5]"!
تميزت المبولة عن مثيلاتها بقصدية الفنان. بهذا يتخذ الشيء دلالة مختلفة تماما. منذ 1913، تساءل دوشان:"هل يمكننا إنجاز أعمال لا تكون فنية؟ "لم يفعل دوشان إلا أن انتقى، اختار:، لقد احتل الاختيار هنا مكان الإنشاء" اختيار ready-made يرتكز دائما على اللامبالاة البصرية وفي نفس الآن، الغياب التام للحسن والقبيح من الذوق(...) لا شيء يميز المبدع عن الناظر غير كون الناظر يأتي تاليا. لا أحد منهما صنع الشيء، الأول اختاره والثاني ينظر إليه(le regarde ou le re-garde
[6]"
إحالات مفيدة:
Marcel Duchamp : Du champ du signe, coll. « Champs », Flammarion,1975.
Platon, Le Banquet, « Bibiliothéque de la pléiade », Gallimard,1950.
Œuvres artistique de piero Manzoni(Merda d’Artista), 1958, Raymond Hains (Affiches lacérées sur tole, 1963…).
Pour les plus jeunes élèves, voir la situation-probléme suivante. En fin de collége, on peut faire une synthèse des deux situation-problèmes.



4- هل يتعلق الأمر بفن...أم بصناعة حرفية
[7]؟
*الأهداف:
- الشروع في فهم ماذا يمكن أن يكون الفن؟
- طرح بعض المشكلات مثل: ما هو الجميل؟ بماذا نسمي شيئا فنيا؟ من هو الفنان؟ هل الفنان شخص عبقري؟
- فهم الفرق بين المنتج الفني والمنتج الحرفي والمنتج الصناعي.
* المستوى:
انطلاقا من السلك الثالث من المدرسة الابتدائية.
* الوضعية- المشكلة:
- نطلب من كل تلميذ أن يحضر شيئا يحكم عليه بأنه جميل، أو نطلب منه أن يقدم تمثلاته( انطلاقا من صورة، صورة فوتوغرافية...)
... ولكن لماذا إذن هذه الأشياء جميلة؟ وهل يعتبر أحدكم الأشياء التي اختارها الآخرون جميلة؟
- نقاش: هل هناك من معايير تسمح بالحكم على عمل معين بأنه جميل؟ ما هي هذه المعايير؟
- وبالنسبة للتلاميذ الأكبر سنا: هل يمكن لشيء معين أن يكون جميلا؟ هل هناك شيء جميل في ذاته؟ ماذا يحدث عندما نحاول كسب إعجاب أكبر عدد من الناس؟ أي تمييز تقيمونه بين الجميل والذوق، والحسن والقبيح، والجميل والعمل الفني؟
* عائق وقطيعة:
داخل الفصل،" الفنون حاضرة، ولكن في شكل إنجازات أو تقييمات. من جهة أخرى، الاستئناس بالثقافة، هو أيضا التعود على تقدير قيمتها وفهم طبيعتها، وبالمثل فتبادل الآراء حول الفن داخل الفصل ، وحول الجميل، هو استدماج بعد أساسي من أبعاد المواطنة، ذلك المتعلق بالنقاش العقلاني بين الذوات المختلفة، بدون أن يكون هناك اتفاق بالضرورة".
تبادل الحجج هو إذن أمر مهم.
إن معايير الجمال المتبناة من قبل التلاميذ في علاقة بتصوراتهم، هي بشكل أساسي: الشبه، وأحيانا الدقة والإتقان في العمل التقني، أو الوقت المصروف في إنتاج العمل...وما القول في الأعمال الفنية الرديئة Kitsch التي يمكن أن يجلبها بعض التلاميذ؟
مصطلح فن استعمل في معان متعددة:
- للدلالة على كل ما يصنعه الإنسان خارج الطبيعة.
- للدلالة بشكل خاص على إنتاج الجمال، في منظور كلاسيكي. تم إدخال المصطلح إذن في إطار المعايير التي حددها التقليد، والتي تتناسب مع مقادير متناغمة بين الأطراف، يتعلق الأمر باتقان/ كمال من نوع ما.
- بصورة معاصرة، يمكن أن ندخل في إطار الفن كل إنتاج يستهدف حكما في ذاته، بدون السعي بالضرورة للبحث عن الجمال.
- يمكن أن ينطبق على موضوع ليس له نفع عملي، يفكر فيه فقط لأن يكون جميلا، بالإضافة إلى هذا يمكن أن يكون شيئا ذو نفع.
هناك إذن، خاصتان جوهريتان للفن: إنه خال من النفع، وهو مفكر فيه باعتباره شيئا كونيا.
* تتمة الوضعية المشكلة:
- نقدم إعادة إنتاج "مبولة" مارسيل دوشان
[8].
هل هي عمل فني؟
ومع ذلك تم اعتبار هذا الإنتاج عملا فنيا! كيف يكون هذا ممكنا؟
- يمكن أن ينصب النقاش على مجموعة من المشكلات:
حول الفن: هل يمثل الجميل؟ هل هو نافع؟ هل عليه تمثيل الواقع؟
حول الفنان: كيف يمكن تعريفه؟ ما معنى أن يكون المرء فنانا؟
حول عملية الإبداع: هل يعرف الفنان مسبقا وبالضبط ما هو مقدم على إبداعه؟ كيف تتم عملية الإبداع؟
حول التكوين: هل يمكن للمرء أن يتعلم كيف يصبح فنانا؟ ماذا نتعلم حين نأخذ دروسا في الفن، فيما ينفعنا هذا الأمر؟
* عائق وقطيعة:
بطبيعة الحال فالتلاميذ لا يعتبرون "مبولة" ما عملا فنيا! ، حتى ولو كانت تحمل توقيعا. فضلا عن أن الفنان بالنسبة إليهم، يعرف أساسا من خلال علامات خارجية( حضور أعماله في المتحف، كونه يربح الكثير من المال، وكونه معترف به ك"فنان" من طرف المجتمع...).
بعض الفنانين لم يتوانوا في طرح هذه المسألة: ألم يقل Jeff Koons :" هذا فن لأني أبيعه بثمن باهض"؟ بالنسبة للتلاميذ، الفنان أيضا شخص عبقري، موهوب/ملهم، كما لو أن هذا الأمر يأتي من مصدر خارجي... كون الشخص فنانا إذن هو أعطية مطلقة، إنه ليس من فعل الفنان ذاته. وبعض العلامات الأكثر "حميمية" كقدرته على إثارة إحساس جمالي أو منح المشاهدة ، لا تؤخذ بعين الاعتبار، وهذا على امتداد المشوار الذي يقطعه الفنان ليبلغ مرحلة الإبداع النهائي.
← امتداد:
* وضعية مشكلة:
نقدم للتلاميذ منتجا حرفيا، وآخر صناعيا وثالثا فنيا.
أهي كلها أعمال فنية؟ ما قولكم؟
*عائق وقطيعة:
بالنسبة للتلاميذ (كما بالنسبة لكثير من البالغين أيضا!) تصعب كثيرا إقامة تمييز. يمكن على نحو أكثر يسرا أن نعالج المسألة محاولين التمييز بين الفنان والحرفي والصناعي:
يستهدف الفنان التعبير الفني، إذ " ليس لديه مشروعا محددا، أي هدفا مفكرا فيه مسبقا، مع التحليل الكامل للوسائل الكفيلة بتحقيقه. فالمسعى التعبيري يشرط أنماط العمل، وتنظيمه. ومن ثم فكون المرء فنانا لا يمكن اعتباره مجرد استتباع بسيط لحصوله على الدبلوم الذي لا يشهد إلا على القدرات التقنية"
أما الحرفي، فيصنع منتجات أصيلة، بقدر ما، مع احتمال حضور فكرة الجمال، لكن الجمال الذي يجلب أيضا المنفعة. للحرفي إذن مشروع ذو طابع نفعي عملي، " فبتوظيفه تقنيات محددة مسبقا، يستطيع الحرفي أن يصوغ كشفا ، يتضمن ثمن المواد المستعملة، والوقت المصروف في الصنع، وطبيعة العمل. لقد اكتسب تقنيات ومعايير وحصل على شهادة تقر باكتسابه لكفايات محددة من طرف هيئة حرفية". بيد أن بعض الحرفيين يمكن أيضا أن ينتجوا أعمالا يمكن اعتبارها أعمال فنية( نقول أحيانا عن جسر أنه عمل فني) إننا إذن، على تخوم المفهوم.
أما الصناعي فينتج بشكل أساسي أشياء للاستعمال ، أما الاشتغال على الجانب الجمالي فيدخل في إطار حجاج التسويق. إنه يبحث عن الكلفة الأقل من أجل الربح الأقصى." يفكك الصناعي عملية الإنتاج إلى أطوار، ويعمل على مكننتها من أجل خفض الكلفة وبلوغ جودة محددة. إنه يستهدف النفع، يستثمر التطور التقني لعملية الإنتاج على أعلى المستويات، من أجل مضاعفة المردودية : تخفيض الكلفة، محاججة ثمن البيع، يتعلق الأمر إذن بإعطاء"قيمة مضافة" أعلى.

5- لماذا لا تمارس العادة السرية داخل حجرة الدرس؟
* الهدف:
الوعي بأن الحضارة تقوم على قمع الدوافع الطبيعية.
* المستوى:
انطلاقا من الأقسام النهائية.
* الوضعية - المشكلة:
" لماذا لا تمارس العادة السرية داخل الحصة الدراسية؟" لما لا ؟ فهذه التقنية بسيطة ونتائجها فورية، وكل الناس ، بدون استنثناء قد مارسوها، وتذوقوا لذتها الفردية. لماذا إذن ينيخ كل هذا الثقل من الإحساس بالذنب، وهذه الحمولة الثقافية والاجتماعية على هذه الممارسة القديمة قدم الإنسان؟ بماذا يمكن تفسير هذه الترسانة القمعية التي تسيج ممارسة الاستمناء؟
* عائق وقطيعة:
نحن هنا في ذروة الاستثارة! كيف نقبل بهذه الفكرة؟... هل يمكننا حتى القبول بمناقشتها؟
ومع ذلك، يعتبر الاستمناء أكثر فأكثر، عاملا للتوازن النفسي الشخصي، الذي يساهم في التعرف على الجسد الخاص وبناء الشخص، وهو أنسب معوض عندما تكون الجنسية الثنائية مستحيلة! " المستمني هو عازب يعطي للطبيعة سلطة/ قوة أقصى في حياته، ويبقي للثقافة الحد الأدنى الضروري من أجل حياة بلا عوائق وبدون عنف مع الآخرين".
لمشكلة الاستمناء إذن، أبعاد عديدة، هناك أولا البعد المتعلق بالرغبات واللذات التي ننساق وراءها، أو بعبارة أخرى التي نفقد أمامها حريتنا. إن العمل على تأجيل إشباعها إذن هو تعلم أن نحكم أنفسنا، وهو ما يمثل شرط التحرر. إن تعلم التحكم في أنفسنا يجد له شكلا للتحقق في هذه الممارسة النابعة فضلا عن ذلك من اختيارنا، وبالتالي من ممارستنا لحريتنا... بتأجيلنا لإشباع تلك الرغبات نجعل من اللذة "مشروعا"، ندخل في بعد الزمن الذي نبنينه l’on structure، وهو بعد أساسي بالنسبة للكائن البشري( بدونه لا يكون كائنا، أي واعيا بوجوده).
لكن، إذا تحدثنا بلغة سياسية(وبشكل أعم إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الإنسان "حيوان سياسي")، يمكن أن نرى في ممارسة الاستمناء، أي اللذة الجنسية الفردية solitaire ، خطر القطيعة مع الرابط الاجتماعي الذي يقود إلى الدخول في علاقة مع الآخرين من أجل التوحد معهم( اللذة في الواقع هي" الحيلة" التي تسمح بإعادة إنتاج النوع).
أخيرا يمكن أن نعتبر أيضا كنتيجة، أن اللجوء إلى الاستمناء( ولكن ليس أينما كان) أمر لا يمس بحرية الآخرين! بشكل عام يعمل مجتمعنا على قمع الدوافع الطبيعية: " إنه يحرفها، يستثمرها من أجل غايات أخرى غير الإشباع الفردي، وذلك لصالح الأنشطة الثقافية و الحضارة".
يمكن أن نعطي للتفكير في هذه المسألة امتدادا في الوضعية- المشكلة التالية :

6- هل يمكن للشخصية أن تتفتح وتنمو...والشخص مستكين في إطار مغلق؟

* الهدف:
فهم أن الطفل ، لكي يبني شخصيته، يحتاج في الآن نفسه إلى معالم/مرجعيات ثابتة و إلى الحرية.
* المستوى:
انطلاقا من السلك الثالث من المرحلة الابتدائية، وتكوين البالغين.
* الوضعية- المشكلة .
أغلب علماء النفس والمدرسين متفقون مع الفكرتين التاليتين:
- كون الطفل "محتضنا"/ محاطا بالرعاية المطلقة لأمه، لا يستتبع نموا نفسيا متناغما: إنه لا يبني"أنا"ه كما يقول المحللون النفسيون.
- يجب إذن، منحه الحرية الكاملة! في هذه الحالة... ستظهر أيضا مشاكل في بناء شخصيته.
فما العمل إذن؟

* عائق وقطيعة:
يجب أن نعترف قبليا أنه من الصعب إيجاد حل مرض!
لكي يحقق الطفل نموه النفسي، يحتاج إلى إطار متماسك، وإلى معالم صلبة/محددة بدقة( ولكن ليست متصلبة!) لكن يجب أن تمنح له حرية التحرك داخل هذا الإطار
[9]. وتجدر الإشارة هنا أننا نخلط في غالب الأحيان بين الدقة والتحديدrigueur والتصلب rigidité. فالأولى هي نمط من التنظيم يسمح بأن يكون المرء حرا. والثانية على العكس من ذلك تحول دون التمتع بالحرية.
في حالة الرضيع"المحتضن"، فأمه تتآلف معه بشكل فائق، حتى أنه لا يستطيع أن يقيم تمييزا بينه "هو" وبينها "هي" . ليس هنالك إذن "أنا" يستطيع أن يبني نفسه، الكل متجانس. إذا كان هناك "أنا" لدى شخص ما، فهذا لأن هناك "آخر غير الأنا". إذن، العنصران المقدمان في الوضعية المشكلة باعتبارهما متعارضين..هما هنا عنصر واحد، إلا إذا اعتبرنا الأم "المحتضنة" هي أم تبني سجنا.
يحتاج الطفل إذن إلى مواجهة القانون، والحدود، اللذان في إطارهما يمكن أن يبني حريته. يجب إذن أن نسمح له على نحو تصاعدي، بخوض تجارب، وبملاقاة المجهول الذي يمكنه مواجهته، لأنه بنى ثقته بنفسه. سيتعلق الأمر بمجهول يساءل ما يعتقد الطفل أنه يعرفه، لأن هذا المجهول هو في نفس الآن قريب ليكون في متناول الفهم، ولكنه في المقابل يتميز بمستوى من التعقيد لم يظهر بعد في الإطار
[10]. فالتعلم دينامية يمكن تمثلها كنمو لولبي(Bruner ).
وفي وقت لاحق، عندما تغدو هذه الصيرورة واعية، يغدو من الملائم القطع مع الإطار الذي صنع الشخص لكي يستطيع هذا الأخير أن يتطور، ولكن أيضا لكي يستطيع أن يطور الوسط الذي يعيش فيه.

7- لا مستقبل No future
*الأهداف العامة:
التفكير في موضوعات مثل: العدمية، مكانة الله، المصير وتحكم المرء شخصيا في تاريخه الخاص.
*المستوى:
الأقسام النهائية.
* الوضعية- المشكلة:
عندما يكتب أحدكم عبارة"لا مستقبل" على طاولته، فإنه يمثل لمنحدره التشاؤمي هذا الذي يفترض تصورا معينا للزمن ليس بواسطة سهم صاعد وإنما بواسطة دائرة مغلقة على نفسها.
ومع ذلك، يبدو التقدم التقني أمرا غير قابل للجدال، إذ نستنتج تطويرا بديهيا للأشياء. وحسب فلاسفة أخرين أكثر تفاؤلا، "فالتاريخ له أصول، ويعرف نموا، وله حاضر، ويتجه نحو هدف وكل الأحداث تساهم في تحقيق معنى معين". هذا الاتجاه يسير في خط مستقيم ، وهو فضلا عن ذلك "اتجاه تصاعدي يسير من الأقل نحو الأكثر، ومن الأسوأ نحو الأحسن، ومن البسيط نحو المركب، ومن الحرب إلى السلم، ومن الرذيلة إلى الفضيلة، ومن السلبي إلى الإيجابي". يمكن أن يكون المحرك هو الله: في هذه الحالة سيكون كل ما يحدث لنا متعلق بإرادته، حتى وإن بدت غير منطقية أو حتى عنيفة. بل إن السلبي نفسه يمكن أن يلعب دورا إيجابيا لا ندركه بالضرورة. بيد أن هذه الرؤية توجد أيضا لدى أصحاب التصور اللائكي، الذي يتبنى هو أيضا مقولة الزمن المستقبلي السعيد.
يمكن القول أن" التاريخ لا يحركه فقط دافع الحياة، إنه مسكون أيضا بدافع الموت والذي لم يتراجع بشكل ملحوظ.... ولكي نكون واضحين، إنه مكون غير قابل للاجتثاث من الطبيعة البشرية، بل إنه غدا أكثر تجليا(...). ينظر المتفائلون إلى التاريخ باعتباره حركة تقدم مضطرد. والمتشائمون على العكس من ذلك ينظرون إليه كحركة نكوص مضطرد. أما المأساويون فينظرون إلى الواقع كما هو: خليط معقد من دوافع الحياة ودوافع الموت".
8- أموت... غدا؟
[11]
* الأهداف:
- التفكير في مفهوم الموت.
- التفكير في مشكلات من قبيل: إذا عرف المرء بأنه سيموت، هل سيغير هذا المعطى شيئا في حياته؟ هل ينتزع الموت كل معنى من وجودنا، أم أنه يحدد أصل هذا الوجود؟ هل يشكل الوعي بالموت فارقا ماهويا بين الإنسان والحيوان؟
* المستوى:
نهاية السلك الثالث من الابتدائية، الإعدادي، الثانوي.
* الوضعية المشكلة:
- سأطرح عليكم سؤالا تافها:" ماذا تنوون فعله من الآن إلى يوم غد؟"
- أجيبوا فرديا في شكل نص مكتوب (أو متوالية من الأفكار المفاتيح). سوف لن آخذ منكم هذا الإنشاء.
- بعد ذلك وبنفس الطريقة: " تعرف أنك ستموت غدا... ماذا ستفعل اليوم؟"
- فتح نقاش حول السؤال التالي:" هل ستظل أنت نفس الشخص إذا ما علمت أنك ستموت غدا؟"
* عائق وقطيعة:
مما لا شك فيه أن السؤال الأول يحيلنا على منتهى التفاهة. على العكس من السؤال الثاني، وبطبيعة الحال فالمقارنة بين الجوابين هي ما تسمح بطرح المشكل.
إن إثارة التفكير في هذا الموضوع يمكن أن تدعو إلى الاستغراب، خاصة بالنسبة للتلاميذ الأصغر سنا. ومع ذلك فهذا السؤال يحضر بشكل مبكر لدى الأطفال، والذي يمكن أن يكون مصدر قلق بل وجزع، والذي لا يعمل الزمن على التخفيف منه بالضرورة. يمكن أن تكون تمثلات التلاميذ جد متباينة وفي أغلب الاحيان راسخة، بما أنها تمس ماهية كل ثقافة. يمكن النظر إلى الموت كنهاية مطلقة، أو حسب بعض الديانات، كعبور يسمح بالولوج لحياة أخرى.
وبطبيعة الحال، يجب على الرهانات المتعلقة بموضوع الدراسة هذا أن تدفع المدرس إلى توخي الحذر بشكل خاص.
* امتدادات عابرة للمواد:
بعض الأمثلة:
- البيولوجيا: كيف تتحدد الحياة والموت.
- الأدب:Mary Shelley, Frankenstein(vaincre la mort), Shakespeare(Hamlet : etre, ou ne pas etre ?), Dante(La divine comédie : après la mort ; l’enfer, le purgatoire ou le paradis ?) , Stephen king ( Simetierre : les peurs liées au passage entre vie et mort, les mythes de résurrection).
- التاريخ: تطور التصورات حول الموت.
- الفنون التشكيلية: دراسة لوحةH.Cueco "الزواج"
[12].




9 – عدم التمييز بين كرة ومكعب؟
* الهدف:
القدرة على معالجة موضوع في كامل تعقيده، بما أنه يمكن أن يستثير التفكير حول الإدراك، والعمليات الحسية- الحركية، والفهم، والذاكرة، والمعرفة، والفضاء.

* الوضعية- المشكلة:
[13]
لنتخيل شخصا أعمى بالولادة، تم تعليمه منذ الصغر، التمييز عن طريق اللمس بين مكعب وكرة من نفس المعدن وبأحجام متقاربة، بحيث عندما يلمس هذا أو ذاك يستطيع أن يميز أيهما المكعب وأيهما الكرة. لنفترض الآن أن هذا الأعمى تمتع بالرؤية، هل سيستطيع، إذا ما أبصر الكرة والمكعب موضوعين على الطاولة، أن يميز بينهما دون أن يلمسهما؟
ما موقفكم وعلى أية حجة تستندون؟
* عائق وقطيعة:
تبدو الوضعية بسيطة والنتيجة بديهية. لكن على التلاميذ أن يفكروا في مشكلة نابعة من عدة عناصر متداخلة. لم يعد يتعلق الأمر هنا بإبداء انطباعات أو آراء أو أحكام مسبقة، وإنما بالمحاجة الجماعية من أجل الوصول إلى خطاطة للفهم.
ولتدقيق النقاش، يمكن أن نطلب من التلاميذ المرور إلى التطبيق، كأن يتجولوا في بيوتهم مدة من الزمن(ساعة على الأقل) بعيون معصوبة. هل سيستطيعون بعدها التعرف بسهولة على الأشياء اليومية والاعتيادية؟ هناك مرجعية عملية حول هذا الموضوع، إذ عندما يمنح أشخاص عميان الرؤية، سنلاحظ أنهم سيواجهون صعوبات فائقة في تحديد معالم الفضاء الذي يتحركون فيه.(قد يعرض الشخص المعني نفسه لحادثة سير).

10- أخزن أم أختار معرفتي؟
* الأهداف:

إقامة تحليل نقدي لمبادئ التعليم الحالي، انطلاقا من مبادئ التربية في القرن السادس عشر، والتفكير في الكيفية التي بها نتموقع بالنسبة إلى المعارف الحالية، وبالنسبة إلى ما نسميه ثقافة.
* المستوى:
المستوى الثانوي( وتكوين البالغين مع تعديل مدخل الوضعية- المشكلة).
* الوضعية – المشكلة:
في القرن السادس عشر...
" إن وجهة نظري وإرادتي هي أن تتعلم اللغات على نحو جيد(...), ولا جدال في أن عليك أن تحفظ في ذاكرتك الحاضرة ما سيعينك على علم الكون(الكوزمولوجيا). (...) لقد سقيتك بعض القطرات من الفنون الحرة والهندسة والحساب والموسيقى، عندما كنت صغيرا في سن الخامسة أو السادسة، وعليك تشرب الباقي. ويجب أن تعرف كل قوانين وأصول علم الفلك(...). وأن تحفظ عن ظهر قلب أجمل نصوص الحق المدني(...).
" أما عن معرفة حوادث الطبيعة، فأريدك أن تهبها كل فضولك، وأن لا يبقى بحر ولا نهر ولا شلال إلا وتعرف أسماكه، وكل طيور السماء وكل الأشجار(...) والغابات، وكل أعشاب الأرض، وكل المعادن(...) لا ينبغي أن يبقى شيء تكون على جهل به.
" وبعد ذلك، أعد الاطلاع بعناية على كتب الأطباء الإغريق والعرب واللاتينيين(...)ومن خلال القيام بعديد من عمليات التشريح، اكتسب معرفة كاملة بذلك العالم الآخر الذي هو الإنسان. وخلال بعض الساعات من اليوم اشرع في الاطلاع على الرسائل المقدسة(...).
" عليك أن تتعلم ركوب الخيل و مسك السلاح للدفاع عن بيتي وعن أصدقائنا(...).
" لكن حسب الحكيم سليمان salomon (...)، العلم بدون وعي/ضمير ليس غير تخريب للروح، لذلك عليك أن تخدم لله وتحبه وتخافه."(Rabelais, Pantagruel,1532)
" لم يكونوا يعتمدون كقاعدة إلا الصيغة التالية: افعل ما تريد، لأن الناس الأحرار، الذين أحيطوا بالرعاية أثناء ولادتهم، ومنحوا تعليما جيدا، واللذين يحادثون رفاقا نزهاء، هؤلاء الناس لديهم بالطبيعة غريزة وبوصلة، تدفعهم دائما إلى القيام بالأفعال الفاضلة وتجنبهم الرذيلة"(Gargantua,1534 Rabelais,).
أريد أن يتم الاعتناء بالطفل من خلال اختيار مرب ماهر يمتلك ثقافة منظمة جيدا وواسعة، وأن يمنحه هذا المربي كلا الوجهين، أن يعلمه الأخلاق والفهم بقدر ما يعلمه العلم(...). وأن لا يطالبه فقط بمبنى كلمات درسه، وإنما بمعناه وجوهره. وألا يعتمد في تقويمه على شهادة ذاكرته، وإنما على مجريات حياته(...). وعلى الطفل أن لا يختزن أي شيء في رأسه، فقط لأنه صادر عن سلطة ما" (Montaigne,Essais,1580-1595 )
*عائق وقطيعة:
تجعلنا نصوص القرن السادس عشر نبحر بين"افعل ما يعجبك" و"وعليك أن تعرف كل شيء". فما هو موقع التعليم الذي يتلقاه التلاميذ اليوم بالنسبة لهذين الحدين؟
هناك بون شاسع بين ما يعتقده التلاميذ مفيدا أو مهما وبين ما يريد المعلمون أن يلقنوه لهم من خلال البرامج المقررة، لكن هل على المدرس أن لا يلقن التلاميذ إلا ما يعتبره هؤلاء ضروريا؟ ولكن كيف نحكم على شيء معين بأنه ضروري، ونحن لا نعرفه؟ ومع ذلك هذا لا يبرر ذلك الكم المهول من المعارف الذي تطالب المؤسسة المدرسين بتلقينه للتلاميذ، وهو ما يفقد هذه المعارف قسما كبيرا من معناها! اليوم على سبيل المثال، هل علينا حفظ كم كبير من المعلومات...أم الأحرى أن نتعلم كيف نبحث عن هذه المعلومات وكيفية معالجتها؟ الغالبية العظمى من شركاء عالم التدريس ينادون بالحل الثاني...لكن لماذا إذن نجدهم بعيدين عنه على مستوى واقع الممارسة التعليمية؟
*انفتاح:
ما الذي يمكن أن نعتبره ضروريا؟ أو بالأحرى، داخل ما هو ضروري، ما هو الشيء الأساسي الذي تنبغي معرفته(...بما أن كل شيء ضروري!)؟
كيف يمكن اكتسابه؟ ما هي مناهج التعلم الشخصية التي ينبغي اتباعها بالنسبة لتلاميذ الثانوي؟
... وهناك إمكانيات لبناء وضعيات- مشكلات أخرى حول أسئلة استفزازية مثل:
" هل عليكم أن ترموا بالنظام الداخلي لمؤسستكم في القمامة؟( انفتاح على الحق والقانون).
" هل لا توجد الشرطة إلا لكي تجعل حياتكم رديئة بشكل ممنهج؟ (الإجبار وانحرافات القانون).
"لماذا شيدت ثانويتكم على شاكلة سجن؟ " أو:" هل يمكن أن تتركوا المواقع الإلكترونية الإباحية في متناول أطفالكم؟"( معنى الحرية)
" هل يمكن أن تستغني عن هاتفك النقال؟" (تاريخ ودور التقنية)
[14]

من كتاب:
Une banque de situations- problèmes
Tous niveaux
Tome 1
Gérard De VecchiHachette livre, 2004, Paris Cedex
* الإحاللات المرجعية:

[1] - الوضعيات المشكلات تم تحليلها بصورة نقدية من طرف Jean-charles Pettier أستاذ ب IUFMde Créteil .
[2] - M. O ,Antimanuel de philosophie, Bréal
[3] - D’après Jean- Charles Pettier, Apprendre à philosopher. Un droit, des démarches pour tous, chroniques sociale, 2004, الاستشادات مأخوذة من الكتاب نفسه.
[4] - المرجع السابق.
[5] - D’après patricia berdynski(IUFM Lille)
[6] -
[7] - D’après Jean- Charles Pettier,op. cit.
[8] - أنظر أيضا الوضعية- المشكلة السابقة.
[9] - من هنا فكرة ممارسة أنشطة ذات مرام فلسفية مع تلاميذ في وضعية صعبة، والذين لم يصادفوا دائما هذا الإطار المنظم(بكسر الظاد). حول هذه النقطة يمكننا أن نلجأ إلى: J.C.Lago, « Philosophie et jeunes à problèmes », revue Diotime l’Agora, n 11.
[10] - يمكن أن نحيل هنا على فكرة منطقة النمو المقربة zone proximale de développement لدى فيكوتسكي في "الفكر واللغة")
[11] - D’après Jean- Charles Pettier,op. cit.
[12] - من أجل الإطلاع على أغلب هذه الامتدادات، أنظر عمل Jean- Charles Pettier المذكور سابقا.
[13] - D’après Michel Darnaud(Cahors) http//www.alcofribas-nasier.com/Diotimes/Darnaud.html.
[14] -Michel Onfray op. cit D’après

توظيف الوسائط البصرية في درس الفلسفة

لم لا السرير الثالث؟ قد يكون سريرا لليقظة!

هناك مقطع من محاورة الجمهورية يتحدث عن "الأسرة الثلاثة" ، حيث يميز أفلاطون بين ثلاثة أنواع من الأسرة: فكرة السرير التي خلقها الإله، والسرير المصنوع من قبل النجار، وأخيرا السرير الذي صوره الرسام. فكرة السرير هي الأكثر واقعية، إذ إليها يوجه النجار نظره لكي يصنع سريرا ملموسا وخاصا. أما السرير الذي يصوره الرسام فما هو إلا محاكاة لسرير النجار، وبهذا فهو مبتعد عن "الواقع" الحقيقي بثلاث درجات، بما هو ليس سوى صورة الصورة. هذه اللاحقيقة المزدوجة لا تمثل" الشيء كما هو في الواقع"، وإنما "ما يظهر كما يظهر". وبالتالي فما الرسام غير أفاق، وما الصورة غير "سيمولاكر" أو نسخة خداعة. إلا أن رهان أفلاطون لم يكن فقط متعلقا بتبيان طبيعة الصورة وإنما كان أيضا رهانا أخلاقيا وسياسيا، إذ خطورة الصورة تكمن في كونها تدعي الواقعية بينما هي ليست سوى"سيمولاكر"(نسخة مشوهة عن لواقع). لذلك دعا أفلاطون إلى المراقبة الصارمة للفنانين داخل الجمهورية. هذه "الإكونوفوبيا"(رهاب الصورة) التي تزامنت مع لحظة التأسيس في تاريخ الفلسفة، والتي عبرت عن حيثيات فعل التأسيس ذاته، بما هو انتقال ثوري من الميتوس إلى اللوغوس، من نمط التفكير الأسطوري الذي كان على مستوى الشكل تقليدا شفهيا متوارثا يستعمل لغة التصوير والتشخيص وعلى مستوى الرسالة مستهدفا للتأثير الوجداني الحسي، إلى نمط التفكير العقلي، الذي تجلى في شكل أدب مكتوب يشتغل بالمفاهيم المجردة ومستهدفا التفكير النقدي للقارئ. هذا الرهاب، وتحت التأثير العميق لأفلاطون، ظل ملازما، بأشكال صريحة تارة ومضمرة تارة لتاريخ الفلسفة، على الخصوص ما قبل المعاصرة. بيد أن ما يهمنا هنا هو أن هذا الرهاب انتقل إلى مدرس الفلسفة بما هو صديق للفيلسوف، وبالتالي صديق لنصه المكتوب، ونصير لمفهومه المجرد، إذ قلة هم الأساتذة الذين يقاومون الشعور بذنب الخيانة وبجريمة امتهان المفهوم المجرد، وهم يوظفون دعامة بصرية أو سمعية- بصرية في الدرس الفلسفي. هذا الخوف ليس صدى لتاريخ إيكونوفوبيا الميتافيزيقا فحسب، بل يجد ما يبرره في الواقع الثقافي المعاصر. فالإعلام السمعي البصري(التلفزة والأنترنيت) يستأثر بالحصة العظمى من وقت الأطفال والمراهقين، حتى أنه أصبح يبدو "مدرسة مضادة"، خاصة أنه يقدم دفقا من الصور و المعلومات التي تخلط بشكل خطير بين الصواب و الخطأ على المستوى القيمي، وبين الواقع و الخيال على المستوى المعرفي. كما يقدم الكثير من العنف المجاني. ويقترح أحيانا نماذج من السلوك المنحرف. و هو مدان بالإضافة إلى ذلك، بسبب المكانة التي يمنحها للإشهار، بحيث يبدو كرمز لمجتمع الاستهلاك و لسهولته و متعه، في تعارض مع فضائل الجهد و العمل التي تمثلها المدرسة. وكل هذا عبر نسق خاص من العلامات له أبجديته ونحوه(المشاهد واللقطات وتقنيات الربط والقطع والتوظيب)، وعبر خطاب له استراتيجياته الحجاجية التي تعتمد على الومضات المتتالية، التي لا تترك للذهن فرصة للتحليل والتفحص، كما يعتمد مبدأ "الترابط السلوكي" في الربط بين المنتجات التجارية وبعض القيم الإيجابية أو المعتبرة إيجابية، على نحو استيهامي ( بين مشروب معين وبين البطولة والتميز مثلا)، فضلا عن سيادة ما أصبح يعرف ب"تلفزيون الواقع télé-réalité" والتغطية الحية للأحداث في القنوات الكبرى، اللذان يعطيان انطباعا بأننا أمام الواقع الحي مباشرة( على الرغم من أن الأولى تنقل واقعا مكرسا للتصوير أصلا وبالتالي مصطنعا والثانية تتعامل عين الكاميرا فيها مع الأحداث بانتقائية مغرضة). كل هذا يعطي مبررا للإيكونوفوبيا الفلسفية، خاصة إذا استحضرنا خصوصية الدرس الفلسفي، إذ الفلسفة كدرس أو كتحويل ديداكتيكي للمعارف الفلسفية، تروم تحقيق مجموعة من الكفايات لدى المتعلم ، أهمها التفكير النقدي الشخصي والحر، كما أن الدرس الفلسفي يسعى إلى تمكين المتعلم من آليات التفكير الفلسفي و نقصد المفهمة و الأشكلة والمحاجة. هذه الآليات الأساسية لكل تفكير سليم منفتح على الحوار و النقد و اللاوثوقية.
يبدو إذن أن هناك نوعا من التعارض بين خطاب الصورة - السمعية البصرية على الخصوص- والدرس الفلسفي. لكن ما طبيعة هذا التعارض؟ هل هو تعارض ما هوي مطلق؟

لنرجع إلى تاريخ الفلسفة، ولنبدأ بأفلاطون نفسه الذي، وإن كان قد اتخذ موقفا نقديا من الفن بشكل عام ومن التصوير بشكل خاص، فإنه لم يعمم هذا الموقف على جميع أنواع الصور، وإنما انتقد فقط تلك التي تحاول أن تحاكي الواقع وتقدم نفسها على أنها نسخة طبق الأصل من حقيقته، وذلك باستخدام تقنيات توهيمية مثل "المنظور" وتصغير الأشياء البعيدة وهذا لن يكون إلا نوع من الخداع. لذلك فضل أفلاطون التصوير المصري الفرعوني القديم، حيث تظهر الصورة لا واقعيتها في ذاتها. إننا إذن أمام ثنائية النزاهة و الخداع، وهي ثنائية تعبر عن رهان أخلاقي قبل كل شيء، ناهيك عن الرهان المعرفي.
بيد أننا، وانطلاقا من نفس الرهانين، نجد تقليدا فلسفيا آخر أكثر تقديرا للصورة، ينتسب إلى تلميذ أفلاطون نفسه. إنه أرسطو الذي يرى في تأمل صورة "محاكية" مناسبة لما يسميه بالتطهير la catharsis، ويعني به تهذيبا معينا للأهواء، إذ لا تدفعنا مشاهدتنا لمشهد عنيف إلى سلوك العنف، بقدر ما تحررنا منه. غير أن أرسطو لا يتعارض مع أفلاطون بخصوص التقييم الأخلاقي للصور فحسب، بل إنه يرى في ملكة إنتاج الصور عبر المحاكاة لدى البشر، خاصية طبيعية لها دور معرفي:" فالبشر مجبولون طبيعيا منذ الطفولة على المحاكاة(والإنسان يختلف عن بقية الحيوانات بحضور هذه الملكة لديه أكثر من غيره وبأنه يكتسب أولى معارفه بواسطة المحاكاة)... ومن هنا فنحن نحب مشاهدة الصور، لأننا في نفس الآن الذي نتأملها فيه، نتعلم ونفكر استدلاليا في الأشياء". إنه قلب مدهش للإشكالية الأفلاطونية، إذ عوض التركيز على البعد الخداعي للصورة، رأى فيها أرسطو، على العكس من ذلك، طريقا ملكيا للمعرفة. فتأمل الصورة، إذن، ليس إغواء سلبيا وإنما هو نشاط فعال يسعى إلى المعرفة والفهم .
خمسة وعشرون قرنا بعدا ذلك، استعاد الفيلسوف الأمريكي Nelson Goodman هذه الفكرة القوية، بدفاعه عن أطروحة أن العلم والفن لا يتعارضان تناقضيا، لأن التجربة الجمالية هي نفسها تجربة معرفية. فنحن لا ننتظر من نشاطنا المعرفي أن يمدنا بحقائق وحسب، بل أيضا بإحساس بفهم أحسن للعالم. والصور، من خلال نمط الرمزية الذي يميزها، يمكن أن توسع من فهمنا للعالم. هكذا قارنتCatherine Z.Elgin في كتابها"قراءة غوودمان" "Lire Goodman" ، بين لوحة La Pietà لميشيل أونج Michel- Ange(1499) والوجه الأيسر من لوحة Guernica لبيكاسو Picasso(1937). في كلتا اللوحتين يتعلق الأمر بامرأة تحمل بين ذراعيها طفلها الميت، لكن الأولى تترجم معنى الحزن، بينما الثانية تعطينا إحساسا بديهيا بالألم. وبوضع اللوحتين أمام أعيننا يمكننا، على نحو أدق، فهم ما يميز الحزن عن الألم الممزوج بالغضب. تسمح لنا المقارنة بهذا المعنى، إذن، ب"تهذيب وتنقية الأحاسيس".
غير أننا لم ننسى، كما يمكن أن يظن القارئ، أننا لحد الساعة قد تحدثنا عن الصورة بشكل عام، مغفلين بعد التطور التاريخي لأنماطها ووظائفها، الذي يفرض نفسه بقوة على موضوعنا هذا. لأن العالم الذي عاش فيه أفلاطون ليس حتما هو نفسه عالمنا، والصور التي كانت أمام عينيه ليست لديها كثير من نقاط الاشتراك مع الصور المتلفزة والرقمية التي تهيمن على وجودنا الثقافي والاجتماعي. يحدد ريجيس دوبراي Régis Debray في كتابه "حياة وموت الصور" (غاليمار 1992)، ثلاث أحقاب كبرى في تاريخ الصورة: عصر الأيقونة الدينية الذي استمر حتى ظهور الطباعة، ثم عصر الفن، وأخيرا مع ظهور التلفزة الملونة، عصر "البصري le visuel" إذ لا يعتبر دوبراي ظهور التصوير الفوتوغرافي و السينما منعطفا حقيقيا في تاريخ الصورة، بل إن الفيديو هو الذي فتح هذا المنعطف على نحو حاسم. ومن خلال منهج التحليل الجديد الذي أرساه دوبراي، أي la médiologie ، توصل الفيلسوف الفرنسي إلى أن خصائص الفيديو كحامل تقني جديد للصورة قد أحدثت تغييرا جذريا في وظائف هذه الأخيرة، إذ أصبح بالإمكان بثها لحظيا عن بعد، كما أن تكلفتها الرخيصة يسرت تكاثرها وانتشارها الجماهيري. أما التكنولوجيا الرقمية فلم تفعل إلا تأكيد هذه الثورة، وذلك بالزج بنا في الافتراضية المحضة. لم تعد الصورة تحيل على الكائن، وإنما أصبحت تحل محل الكائن، مما يستتبع تغييرا جذريا لعلاقة المشاهد بالصورة:" فيما قبل، كنا أمام الصورة، أما الآن فنحن داخل البصري le visuel"( يمكننا أن نستأذن من دوبراي لنقول أن الأمر أصبح يتعلق ربما، بشكل جديد من "القلب"الأيديولوجي بالمعنى الذي تحدث عنه ماركس في الأيديولوجيا الألمانية) . أليست المماثلة هنا مشروعة بين المشاهد أمام الشاشة، المنغمس في سيل الصور التي تعرضها، كبديل غير اختياري عن العالم الواقعي، وبين الرجال المقيدين في الكهف، والمشدودين إلى الظلال المتراقصة أمامهم معتقدين أنها الحقيقة.
نستنتج مما سبق، أن للتحفظ الأفلاطوني كامل المشروعية في العودة إلى الواجهة، إذ بلغ البعد الخداعي التوهيمي الذي تحدث عنه أفلاطون، مع الصورة السمعية البصرية حده الأقصى: العيش في العالم الافتراضي للصورة والتماثل معه. هذا ما جعل الفيلسوفة Marie José Mondzain توضح في سياق انتقادها لعنف الصورة، أن "صورة معينة ليست عنيفة لأنها فقط تعرض أفعال عنف وجرائم واغتصابات...بل إن الصورة، وعلى الخصوص ذات الهدف الدعاوي السياسي والإشهاري التجاري، هي عنيفة لأنها تقدم نفسها جاهزة للاستهلاك دون ترك المجال لحرية المشاهدة:" أن لا نكون نحن وما نشاهد إلا شيئا واحدا، هذا أمر مميت، وما ينقد من الموت هو دائما إرساء مسافة محررة libérateur"".
إذا ما كان انتقاد الصورة وتقديرها، في الفلسفة القديمة، يمثلان تقليدين فلسفيين متعارضين، فإن الأمر –إذن- يختلف في الفكر المعاصر، إذ نجد لدى نفس الفلاسفة والمفكرين الذين يفكرون نقديا في الصورة، شأن مندزين، وغي ديبور، ودوبراي، وبودريار، ورولان بارت... تأكيدا على ضرورة التعامل معها. ليس في الأمر تناقض وإنما يتعلق الأمر بموقف تركيبي معقد شأن الواقع المعاصر نفسه. فإذا ما كان هؤلاء المفكرون يعترفون بالهيمنة التي لا رجعة فيها للصورة السمعية البصرية كسياق ثقافي ونسق لغوي جديد غدا"مسكنا للكائن"(بلغة هايدغر)، وإذا ما كانوا ينتقدون الاستهلاك السلبي للصور والتماهي معها، فهم في نفس الآن يؤسسون لأدوات نقدية تتيح تلقيا فاعلا ويقظا للعرض البصري. يتعلق الأمر بدوائر للتفكير في الصورة البصرية تربط بينها نقلات استدلالية، إذ أن دائرتي الوصف والنقد تستوجبان دائرة المواجهة الفاعلة. وكأنهم يقولون: " شاهد الصورة البصرية، لا مناص من ذلك، لكن لا تتماها معها ولا تماهيها مع الواقع، بل حافظ على مسافة فكرية نقدية تفصلك عنها وتتيح لك تفكيك علاماتها". الغريب في الأمر أننا إذا عدنا إلى الأطروحة الأفلاطونية ومحصناها جيدا، فسوف لن نجدها مختلفة نوعا عن هذه المقاربة. إذ عندما يفضل أفلاطون نمط الصورة المصرية القديمة، فإنه يدعو بشكل أو بآخر إلى إدخال عنصر "التغريب" على عملية المشاهدة، بالمعنى الذي نجده في نظرية برتولد بريشت الجمالية.
نتيجة:
ربما تقدمنا، بالقدر الكافي نسبيا، للجواب عن السؤال الذي طرحناه في البداية: ما طبيعة العلاقة التوترية بين خطاب الصورة وبين خطاب التفلسف كنمط فكري وكدرس تعليمي؟
يبدو جليا مما سبق أن خطاب الصورة بشكل عام، وخطاب الصورة السمعية- البصرية المعاصر بشكل خاص، بقدر ما أصبح يشكل موضوعا أساسيا للتفكير الفلسفي ، فإن طموح فهم أبجديته وعلاماته وتفكيك النحو الذي ينتظمها، وكشف نمط العلاقة بين عبقريته البلاغية والواقع، وبين قصديته التأثيرية والمتفرج، قد غدا رهانا لفعل التفلسف، ومن ثمة لعملية تدريس الفلسفة ذاتها، طالما كانت هذه العملية تقوم على مسلمة تعليم التفلسف أكثر من تلقين المعارف الفلسفية.
إلا أن الكفايات الحاملة لقدرات التعامل النقدي مع الصورة البصرية، لا يمكن اكتسابها إلا بالممارسة نفسها، في إطار وضعيات تعلمية ملموسة شبيهة بوضعيات الوجود الثقافي في المجتمع، يتعود فيها المتعلم على تجاوز التلقي السلبي للوثيقة البصرية، ويتمرس على التفكير النقدي فيها، بالإضافة إلى دورها البيداغوجي التحفيزي. مما يعني بداهة: ضرورة حضور الوثائق البصرية، بمختلف أشكالها، كدعامات ديداكتيكية للدرس الفلسفي في مختلف لحظاته.

* نماذج:
- الوثائق البصرية التي ينتجها مدرس الفلسفة ذاته، كخطاطات ورسومات توضيحية، بل يمكنها أكثر من ذلك أن تجسد عمليات الاستدلال وتخفف من تجريديتها لتجعلها في متناول المتعلمين المبتدئين.
- توظيف الصورة البصرية الثابتة(صورة فوتوغرافية، لوحة تشكيلية...) أو السمعية-البصرية(وثائق فيلمية، وصلة إشهارية...) إبان مختلف سيرورات التفلسف التي تعتمل الدرس الفلسفي :
+ استخراج تمثلات المتعلمين الأولية والاشتغال النقدي عليها من أجل تجاوزها، انطلاقا من التأويلات التي يمكن أن يقدموها لمكونات صورة ما.
+ التمهيد للبناء الإشكالي لمفهوم فلسفي معين، انطلاقا من مساءلة لوحة فنية- مثلا- تتجاور في حمولتها الرمزية مع دلالات المفهوم( أنظر تجربة يانيك بيزان Yannick Bézin: مساءلة مفهوم الرغبة انطلاقا من لوحة Michelangelo Merisi dit Caravage, "L'amour vainqueur". .
+ الاشتغال بالتوازي على تحليل نص فلسفي ووثيقة بصرية ( لوحة، فيلم)، تيسيرا للفهم وتوسيعا لأفق التفكير.( أنظر تجربة يانيك بيزان: الاشتغال بالتوازي في إطار إشكالية التاريخ على لوحة Holbein, les Ambassadeurs de 1533 ونص Bossuet dans son Sermon sur la Providence prononcé le vendredi 10 mars 1662 à la chapelle du Louvre.)
+ تشخيص وتفكيك العمليات الحجاجية التي يتضمنها الخطاب الفيلمي لشريط سينمائي أو وصلة إشهارية(أستحضر هنا أطروحة الدكتوراه التي أنجزها محمد الطروس مشتغلا على تفكيك الحجاج الفيلمي لشريط"دائرة الشعراء الغابرين").
+ إتاحة المجال للمتعلمين من أجل الاستثمار والاختبار التطبيقي لمكتسباتهم المفاهيمية ومهاراتهم المنهجية التي راكموها خلال درس معين أو محور من محاوره، عبر المشاهدة التشخيصية لوثيقة فيلمية معينة، يكون المدرس قد اختارها بعناية، ومناقشتها بعد ذلك جماعيا(درس تطبيقي أنجزته مع متعلمي السنة الثانية بكلوريا – السنة الدراسية 2007- 2008 إبان لحظة التركيب لباب "الحقيقة" من مجزوءة "المعرفة").

- الهوامش:
- في الترجمة الفرنسيةالتي قام بها R.Baccou (1996 Flammarion) نجد « trois lits » بينما في الترجمة العربية التي قام بها د. فؤاد زكريا نجد الحديث عن "الكراسي الثلاثة". ونحن اخترنا صيغة الترجمة الفرنسية لدواع بلاغية.
2 - بيد أننا لا ينغي أن ننسى أن أفلاطون نفسه، اعتمد على الصورة المجازية(إذا ما وسعنا من دلالة مفهوم الصورة)، لكي يعرض و يبسط مفاهيمه الفلسفية المجردة(أمثولة الكهف كنموذج) وبذلك أعطى للصورة دورا منهجيا وبداغوجيا مهما، وهو الشيء الذي فعله معظم الفلاسفة، بل إن منهم من تماهت عنده الصورة الماجزية مع المفهوم شأن نيتشه.3 - 3- أنظر الموقع الإلكتروني : médiologie.org www.
4 - في الماضي كانت الفلسفة تهتم بالصورة البصرية لماما، في إطار مبحث الجمال.
5 - أنظر Deux expériences de développement du recours
aux images dans le cours de philosophie
par Yannick Bézin, Lycée Léonard de Vinci, Soissons http://gallica.bnf.fr/scripts/ConsultationTout.exe?O=87679&T=2
6- أنظر نفس المصدر.

- المراجع:
- أفلاطون، جمهورية أفلاطون، دراسة وترجمة د. فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1985
- مصطفى حجازي، حصار الثقافة- بين القنوات الفضائية والدعوة الأصولية، المركز الثقافي العربي1998.
.
-Aristote, La pétique, trad. B.Gernez. Belles Lettres ; « classique en poche », 1985-
-Catherine Halpern, Les philosophe sont-ils iconophobes, Sciences Humaines, Hhors-série n 43, Décembre 2003/janvier-février 2004.


مشروع نقد1 للخطاب السياسي "الحداثي" في المغرب




تزخر خطابات النخبة السياسية، غير "التقليدانية"2، في المغرب بشعارات رنانة قوامها المفاهيم التالية: الانتقال الديمقراطي، الليبرالية، دولة الحق والقانون، المجتمع المدني، وباختصار الحداثة3.. إلا أن استعمال هذه المفاهيم يتم وكأنها تحمل دلالة بديهية قبلية وكونية مطلقة. بيد أننا إذا أخضعنا تلك الخطابات لقراءة متفحصة، نقف على قدر كبير من اللبس و الخلط يكتنف ذلك الاستعمال، خاصة في غياب استحضار السياق التاريخي الذي تبلورت في إطاره هذه المفاهيم أول مرة، ومقارنته بسياق الواقع الراهن للمجتمع المغربي عبر قراءة تشخيصية لهذا الواقع، وكأن الأمر يتعلق بمفعول سحري للغة من شأنه أن يدب في الواقع السياسي بمجرد إدخال تلك المفاهيم إلى بنية الخطاب السياسي. لكن هيهات!
في محاولة تأصيلنا لهذه المفاهيم، سنحاول انتهاج المنهج الذي نقول بغيابه عند حاملي الخطاب السياسي "التحديثي"، ونقصد المنهج التاريخي الذي يستنطق دلالات المفهوم في ضوء المتن الأصلي الذي حواه، ويستنطق محتوى المتن في ضوء السياق التاريخي الذي أنتج فيه. ونحن لا نتبنى هنا حتمية ميكانيكية تزعم أن الفكر نتاج مباشر للواقع و لا العكس، وإنما نتبنى منظورا جدليا ينظر إلى علاقة الفكر بالواقع من زاوية تفاعلهما وتأثيرهما المتبادل، رغم الإقرار بأسبقية الثاني على الأول وتحديده له "في نهاية المطاف"(حسب تعبير فريدريك إنجلز).
تتمثل الفرضية التي توجه هذا البحث، في أن الجهاز النظري لمفهوم الحداثة ومكوناته الدلالية الأخرى، ما هو إلا العصارة النظرية والوجه الفلسفي لصيرورة تاريخية شاملة، قوامها التحولات النوعية التي عرفتها أوربا، على مدى قرون، من حركة الإصلاح الديني إلى الثورة الصناعية مرورا بعصر النهضة والأنوار الذي توجته الثورة الفرنسية كمحطة انتقال طفري في التاريخ السياسي الأوربي، في مستويات الاقتصاد والسياسة والشأن الروحي والعلاقات الاجتماعية...
غير أن المجال هنا لا يسمح لنا بدراسة مجمل الأدبيات الفلسفية السياسية التي أنتجت خلال القرنين 17 و 18، والتي تشكل المرجعية النظرية للمفاهيم المكونة لل"مشروع التحديثي". لذلك سنركز على واحد من أبرز الأسماء المؤسسة، وهو الفيلسوف والسياسي الإنجليزي جون لوك( John Locke 1632-1704)، وخاصة من خلال كتابه "مقالتان في الحكم المدني". كما لن نشمل جميع تلك المفاهيم بالدراسة، وإنما سنركز على مفهوم الحق4. الذي يضعه أصحاب "المشروع السياسي التحديثي" كصفة مميزة للدولة التي يراد بناؤها: "دولة الحق". خاصة أن المقصود ب"الحكم المدني" لدى جون لوك، السلطة السياسية القائمة على "تعاقد حر" بين الناس اللذين ارتأوا تحكيم "سنة العقل"، بهدف تجاوز آفات "حالة الطبيعة"5 ، وحماية حقوقهم الطبيعية، المتمثلة في "الحياة والحرية والأملاك"، من خلال قوانين مدنية.
يعرف أندري لالاند6 الحق في معجمه الفلسفي كالتالي:" ما لا يحيد عن قاعدة أخلاقية، يعني ما هو مشروع و قانوني في مقابل ما هو فعلي وواقعي".
فالحق إذن، حسب هذا التعريف، قيمة معيارية يتحدد بالنظر إليها ما ينبغي أن تكون عليه الأفعال البشرية والممارسات والعلاقات الاجتماعية والأنظمة السياسية، في مقابل الواقع الفعلي لهذه الممارسات والعلاقات والأنظمة، هذا الواقع الذي لا يتطابق بالضرورة مع مقتضيات تلك القيمة.
غير أن هذا التمييز بين المستوى المعياري المثالي والمستوى الفعلي الواقعي، يجعلنا نميز بين معنيين للحق:
- الحق الطبيعي: ويعني المبادئ والمثل العادلة المعطاة طبيعيا، والمفطورة في العقل البشري، وهي تشكل إلزاما وواجبا أخلاقيا، ومعيارا كونيا ينبغي أن يتطابق معه كل قانون وضعي وكل ممارسة فعلية، وهذا التطابق متوقف على الإرادة الذاتية الحرة للإنسان.
- الحق الوضعي: وهو مجموع القواعد والقوانين المشرعة من طرف سلطة ذات سيادة(الدولة)، في إطار سياق اجتماعي- تاريخي معين، من أجل تنظيم الحياة الاجتماعية. فالحق هنا مرادف للقانون.
وجون لوك يتحدث عن الحق بمعنييه الطبيعي والوضعي، غير أنه يجعل من الأول أساسا ومرجعية للثاني، بالإضافة إلى الأساس التعاقدي7. وقد شكلت دلالة مفهوم الحق عند جون لوك كما عند مجمل فلاسفة التعاقد الاجتماعي( سبينوزا، روسو...)، خلفية نظرية للشرعة الدولية المعاصرة ولخطاب ومنظومة حقوق الإنسان التي اتخذت طابعا كونيا ما دامت تدعي قيامها على أساس طبيعي فطري، وعلى مسلمة وجودها على نحو قبلي في العقل البشري، وقبل ذلك تجسد مفهوم الحق هذا في الإعلانات والدساتير التي تلت الثورة الفرنسية8.
إلا أن الدارس هنا لا يمكن أن يتجاوز النقد الماركسي لمفهوم الحق، كما بلوره فلاسفة التعاقد الاجتماعي، وكما تم إقراره في إعلان حقوق الإنسان والمواطن والدساتير الثورية التالية له، من وجهة نظر مادية تاريخية. يقول ماركس9:<< لنلاحظ قبل كل شيء أن حقوق الإنسان(...) ليست إلا حقوق عضو المجتمع البورجوازي، أي حقوق الإنسان الأناني، الإنسان المعزول عن الجماعة. إن الدستور الأكثر راديكالية، دستور 1793، قد عبر عن ذلك بوضوح:"البند2: هذه الحقوق (الطبيعية والكونية) هي: المساواة، والحرية، والأمن والملكية".(...) أين تكمن الحرية يقول البند 6" الحرية هي قدرة كل فرد على فعل كل ما لا يضر بحقوق الآخرين(...) كما أن الحدود التي يمكن لأي فرد أن يتحرك ضمنها دون أن يضر بالآخرين قد حددت من طرف القانون، تماما كما يتم تعيين الفاصل بين حقلين بواسطة وتد ما(...) إن التطبيق العملي لحق الحرية هو حق الملكية الخاصة(...) والحق في الملكية هو حق الفرد في التمتع بثروته الخاصة، واستعمالها كما يحلو له، دون الاهتمام بالآخرين وفي استقلال عن المجتمع: إنه الحق في الأنانية(...) الذي يجعل الإنسان ينظر إلى الإنسان الآخر، ليس باعتباره تجسيدا لتحقيق حريته، وإنما ،عكس ذلك، باعتباره، تجسيدا لتقييدها>>. وإذا أتينا إلى الحقين المتبقيين، أي المساواة والأمن، فإن <<دستور 1795 يحدد معنى المساواة كما يلي:"البند3: تكمن المساواة في أن القانون يسري على الجميع بدون تمييز سواء تعلق الأمر بالحماية أو المعاقبة">>. وهنا لا يكون حق المساواة إلا الوجه الآخر لحق الحرية كما هو معرف سالفا. << أما عن الحق في الأمن فيقول دستور1793 –البند 8:" يكمن الأمن في الحماية التي يوفرها المجتمع لكل فرد من أعضائه وذلك للمحافظة على شخصه، وحقوقه وممتلكاته"(...) والأمن هو المفهوم الاجتماعي الأكثر سموا للمجتمع البورجوازي، إنه مفهوم البوليس: لا يوجد المجتمع برمته إلا من أجل أن يضمن لكل فرد من أفراده المحافظة على شخصه، وحقوقه وممتلكاته>> وهنا يستنتج ماركس أن << مفهوم الأمن لا يكفي لكي يتجاوز المجتمع البورجوازي أنانيته، إن الأمن هو بالأحرى تأمين لهذه الأنانية>>.
ونستنتج معه نحن، أن نسق الحقوق الذي تأسس نظريا في خطاب فلاسفة التعاقد الاجتماعي(أهمهم جون لوك)، والذي تجسد عمليا في الدساتير الديمقراطية والشرعة الدولية، يتمركز بشكل أساسي حول حق الملكية الخاصة.
ومهما يكن من وجاهة هذا النقد الماركسي، لنظرية حقوق الإنسان، من حيث خلفيتها الأيديولوجية البورجوازية، وكون الدفاع عن الحق "المقدس" في التملك الفردي يشكل عقدة الشبكة المفاهيمية لهذه النظرية. إلا أننا لا يمكن أن نذهب مع الاستنتاج المتسرع والأخرق الذي يختزل هذه النظرية في مجرد مناورة أيديولوجية حبكها المثقفون البورجوازيون(كما كان بعض المثقفين الستالينيين العرب يذهبون إلى ذلك). بقدر ما نكتفي بالتأكيد على الشروط الاجتماعية والتاريخية التي نشأت فيها هذه النظرية. إذ لا ينبغي أن ننسى الدور التقدمي الذي لعبته البورجوازية الصاعدة ومثقفيها في التاريخ الغربي، فهي التي "جابهت الثيوقراطية بالعلمانية، والحقوق الإلهية بالعقد الاجتماعي، والامتيازات الأرستقراطية بالحقوق الطبيعية، وتراتبية الحسب والنسب واللقب بالمساواة الحقوقية بين البشر، والاستبداد الغربي بالليبرالي، والتبعية الإقطاعية بالحرية الفردية".10

أما الآن فقد آن الأوان للعودة إلى جون لوك، لنستنطق نصه، ونرى إن كان فيه ما يبرر فرضيتنا.

لقد كانت فلسفة جون لوك، متشبعة بالقيم النفعية الإجرائية التجريبية التي ميزت التفكير الأنجلوسكسوني الحديث. بيد أن هذه القيم لم تكن نتاجا صرفا للعقل- سواء أكان هذا العقل فرديا أم "كليا" بالمعنى الهيجلي- بل إنها قيم تاريخية حملتها قوة اجتماعية صاعدة، هي وليدة المجتمع الاقطاعي ونفيه(نقصد البورجوازية التجارية). وبذلك يكون لوك- شيمة فلاسفة عصر النهضة والأنوار- "مثقفا عضويا" (بالمعنى الغرامشي للكلمة) لهذه القوة الاجتماعية، يعمل على مستوى النظرية، على الانتصار لقضاياها. ولكنه ينتصر، في نفس الوقت، لمنطق تقدمي محايث لصيرورة التاريخ.
بيد أننا لن نتقدم كثيرا قبل أن نعثر على ما يعطي لكلامنا المصداقية، في نصوص لوك نفسه:
إن القضية المركزية التي دافع عنها لوك ، خاصة في المقالة الثانية من كتابه، هي قضية حق الفرد في الحرية والملكية الفردية. فكيف تناول لوك هذه القضية؟ وما هي المسوغات النظرية التي أسس عليها دفاعه عن الملكية الفردية، كنمط جديد من التنظيم الاجتماعي لعملية الإنتاج؟ وما هي دلالة هذا الدفاع بالنسبة للمشروع الاجتماعي للطبقة التجارية الواعدة آنذاك؟

إن كلا من هوبز ولوك يؤسسان حقوق الإنسان – بما فيها حق الملكية، أو على الأخص حق الملكية- على أعمق الغرائز أولية. فالأول يؤسس حق الملكية على جبرية ميكانيكية، تنطلق من "ضرورة حفظ الحركة"، وهي الحاجة الأساسية التي توجد في أصل سلوك الإنسان بل وحضارته. هذه الحاجة تعبر عن نفسها عبر" الرغبة"، ومن ثم"إرادة التملك لإشباع تلك الرغبة". وينطلق لوك بدوره من ضرورة "حفظ الحياة"، أو الحفاظ على النوع البشري وهو أساس "سنة الطبيعة" وقوانين "المجتمع المدني". ثم يمر إلى الحلقة الثانية من تسويغه الطبيعي للملكية، والمتمثلة في"العمل"، من حيث هو إنفاق للجهد في تحويل الطبيعة من حالتها الخام.
لقد أصبح حق الملكية، "حقا طبيعيا سابقا على وجود المجتمع، إذ العلاقة بين الفرد والملكية، غدت علاقة "طبيعية" طالما أن العمل الذي يوجد في أصلها، حاضر في"حالة الطبيعة"، إنه تأسيس لمصدر جديد لمشروعية الملكية الخاصة: "العمل"، عبر الاستدلال التالي:
إذا كانت << الأرض وكل ما عليها من المخلوقات الدنيا ملك مشترك بين البشر>>، وإذا كان<< لكل امرئ حق امتلاك شخصه(...) حق لا ينازعه فيه منازع>>، و<<ما كان نتاج كدحه وعمل يديه يمكن إسنادهما إليه وحده، وكل ما ينتزعه من الحال التي أوجدته الطبيعة، وتركته عليه، فقد اختلط به جهده وانضاف إليه شيء من ذاته>>، << فهو إذن ملك له>> (فصل "في الملكية")
إن في هذا الاستدلال ضرب لشرعية ملكية الإقطاعي الخامل، الذي كان ينتظر ما أنتجه الأقنان المسخرون في حماه، أو ينتظر إتاواة الفلاحين الصغار الداخلين في منطقة سيادته. بل هو ضرب لنظام الملكية العقارية الذي كان سائدا في العصور الوسطى، إذ لا الإقطاعي يملك الأرض ملكية نهائية، ولا القن يملك حتى نفسه.11
ومن ثم فهذا التحديد الجديد لمشروعية الملكية الخاصة، هو نضال ، على الجبهة الأيديولوجية، ضد مصالح الإقطاع، ومن أجل تصفية نهائية للبنية العقارية الفيودالية، التي بدأت تتأزم منذ القرن 14، وتوزيع الأرض، وهي واحدة من المهام التاريخية الكبرى الملقاة على عاتق البورجوازية الصاعدة، حتى تكمل تأسيسها لنمط جديد من الإنتاج، يستطيع الرأسمال في إطاره أن يتحكم في مجمل السيرورة الإنتاجية، من الأرض حتى السوق.
لقد اندفع لوك في عملية تبرير لحق لا محدود في التملك، تبرير عبر مراحل: أولا، "حق طبيعي" يرتكز على العمل، ثم ثانيا، إمكانية تحويل نتاج ذلك العمل إلى "نقد غير قابل للتلف".
- المرحلة الأولى: في تتبعه لأصل الملكية يقول :"هل يكون له(أي الإنسان البدائي) حق بذلك البلوط وذلك التفاح الذي استولى عليهما على الوجه السابق وهو لم يحرز موافقة البشرية جمعاء على ذلك؟ فهل كان استئثاره بما كان ملكا شائعا بين الجميع ضربا من السرقة؟>>: وبالطبع فهو يجيب بالإيجاب على التساؤل الأول، وبالسلب على الثاني، على عكس روسو الذي يعتبر أن الملكية الفردية، ابتدأت "بوضع اليد" من قبل "واضع اليد الأول"، أي بالسرقة.( كتاب أصل اللامساواة بين الناس)
يقول لوك:" إن الله قد رزقنا كل شيء بوفرة(...) فهل يؤيد الوحي صوت العقل؟ ولكن إلى أي حد أسبغه الله علينا لنستمتع به؟". الجواب:"بمقدار ما يتسنى لكل امرئ أن ينتفع به في أي غرض من أغراض الحياة قبل أن يفسد، حق له أن يتملكه بكده وجده". ويضيف:"فالله لم يخلق شيئا كي يفسده الإنسان ويتلفه"(ف30) و"لما لم يعد مدار الملكية الرئيسي اليوم، ثمار الأرض أو الوحوش اللذان يقتات بهما، بل الأرض بعينها، إذ هي تشتمل على كل شيء آخر وتحتويه...لعمري أنه من الواضح أن امتلاك الأرض يكسب أيضا على الوجه نفسه، فكل ما استطاع المرء أن يفلحه ويزرعه ويصلحه ويحصده وينتفع بثماره فهو ملك له: فإنه بعمله يستثمر من الأرض المشاع ما يستطيع استثماره(...) فكل من أطاع أمر الله هذا واستولى على قسم منها وحرثه وزرعه، يكون قد أضاف إليه شيئا هو من ملكه الخاص..." (ف31). ويضيف في موضع آخر:"فمن الجهل أن نفترض أنه(أي الله) شاء أن تبقى أبدا مشاعة ومهملة". ونقرأ في "رسالة في التسامح12":<<....الفراغ وما أشبه ذلك من النقائص هي خطيئة>>.
إن مثل هذا الكلام، من فيلسوف القرن السابع عشر- مثقف الطبقة الوسطى وبروتستاني الملة- ، يعطي لماكس فيبر بعض الحق في القول بأن: "الروح" الرئيس، أو السياق الثقافي-القيمي، الذي شكل دافعة لنشوء الرأسمالية، هو البعد الأخلاقي للعمل واعتباره عبادة.
فإنسان لوك، مقدم هنا على أنه فاعل في الطبيعة Homo faber ، بل عليه أن يكون فاعلا فيها ومحولا لها بأمر إلهي، إنه تعبير عن الصيرورة الاقتصادية التي كانت جارية آنذاك والمتمثلة في الانتقال من الاقتصاد الطبيعي إلى اقتصاد السوق الرأسمالية.
بل إن لوك لا يتردد في إعطاء مبررات"واقعية" لقاعدته في التملك تلك(أي لكل فرد حق امتلاك ما يستطيع استثماره)، ويمكننا عرض نماذج من هذه المبررات:"يوجد مقدار كاف من الأرض لانتفاع كل الناس(...) لأن من يدع مقدار ما يستطيع قرينه أن ينتفع به، يكون بمثابة من لم يأخذ شيئا"(ف32)، و "هذا المقدار نفسه لازال موفرا دون إجحاف بأحد، لأن العالم يبدو مليئا بالخيرات بعد(...) في أمريكا(...)"(ف36). مع أن حدود هذا التبرير الواقعي جلية، مادام يرتكز على واقع تاريخي مؤقت، هو واقع القارة الأمريكية خلال عصر الاكتشافات الجغرافية. كما تجدر الإشارة هنا إلى أن حديث لوك عن الأراضي الأمريكية باعتبارها أرضا مشاعا يخفي وراءه حقيقة تاريخية كبيرة هي نهب الأوروبيين لخيرات وثقافات الشعوب الأصلية التي كانت تعيش على تلك الأراضي، وهذا ما شكل إحدى الدعامات الكبرى للتراكم الأولي للرأسمال الأوروبي، وإندحار النظام الاقطاعي.
المرحلة الثانية: فإذا كانت معادلة لوك الأولى، تضع العمل في أساس الملكية الفردية، فإنه في هذه المرحلة الثانية، يمر إلى تأسيس"لحق لامحدود في التملك"13، وفق معادلة أخرى تفصح عنها العبارة التالية:<< وكما اختلفت مراتب الثروة باختلاف مراتب الجد، كذلك كان اختراع العملة وسيلة لاستيفاءها والزيادة عليها>>. فجعل النقود ذات قيمة في ذاتها، أي التحول من "قيمة الأشياء الأصلية" أو بلغة الاقتصاد السياسي اللاحق:"القيمة الاستعمالية" التي << كانت تتوقف على إفادة الإنسان منها فقط>> إلى "القيمة التبادلية" ، إذ << أصبحوا يصطلحون على أن قطعة صغيرة من المعدن الأصفر الذي لا يصيبه التلف أو الصدأ تعادل قيمتها قطعة كبيرة من اللحم أو كومة من الحبوب بكاملها>>. هذا ما أدى<<إلى اتساع الأملاك>> و<<إقرار حق المالكين الكبار>>. رغم أن لوك يعتبر أحيانا هذا التحول نتيجة <<طمع البعض في الاستيلاء على ما يفيض عن حاجتهم>>(ف37). مما يذكرنا بموقف أرسطو من << النقد الذي يولد النقد>> أو الاقتصاد النقدي(كتاب السياسات) . لكن لوك يعتبر، في أغلب الأحيان، أن ظهور النقد كان نتيجة مواضعة واتفاق البشر، لا "نتاجا لتطور التبادل من التبادل البسيط الذي يقوم على المقايضة المباشرة بين المنتوجات إلى التبادل المعمم échange généralisé أو التجارة... وبالتالي الحاجة التلقائية إلى مقابل عام équivalent general "14كما هو الواقع التاريخي الفعلي. بل إن ظهور النقد عند لوك سابق على ما يبدو، على عملية التبادل، بحيث يقول:<< وحيث يوجد شيء له فائدة المال وقيمته بين جيرانه، لا يلبث أن يسارع المرء نفسه إلى زيادة ممتلكاته>>(ف49) . ويعتبر لوك أن حق المالكين الكبار <<كان نتيجة اتفاق أيضا>>(ف36) ومواضعة، وليس نتيجة لتبدل موازين القوى الاجتماعية، التي خلقت"تقسيما اجتماعيا للعمل" بين "وظيفة المراكمة(مراكمة النتاج الاجتماعي الفائض)"، ووظيفة الإنتاج"، كما أظهر لنا الاقتصاد السياسي فيما بعد15.
نخلص إذن، إلى أن الحق في التملك الفردي أساسه التواضع ومداه اللانهاية، ومشروعيته قائمة على الأساس التالي: <<من قايض مقدارا من الجوز، بقطعة من المعدن، أعجب بلونها، أو أغنامه بصدف، أو صوفه بحصاة لامعة أو ماسة، ثم احتفظ بتلك الأشياء مدى حياته فهو لم يتعدى على حقوق الآخرين، فبوسعه أن يكدس ما شاء من هذا المتاع الباقي، لأن تجاوز حقه المشروع في التملك لا يتوقف على وفرة مقتنياته بل على تلف قسم منها، يذهب عندها سدى>>(ف46).
لقد أصبحت الثروة إذن، أي تراكم الرأسمال هدفا في حد ذاته، ويقول لوك في هذا الشأن:<<لعمري فما قيمة عشرة آلاف أو ماية ألف فدان من الأرض الفاخرة المزروعة، الحافلة بالمواشي، الواقعة بأواسط أمريكا حيث لا يتسنى لصاحبها أن يتجر مع سائر أقطار العالم ويحصل على المال عن طريق بيع محصولها؟>>(ف47). إننا نلاحظ سيرا حثيث الخطى هنا صوب مفهوم آدام سميث "الإنسان الاقتصادي" Homo economicus ( كتاب ثروة الأمم).
وبذلك يمكننا الخلوص إلى أن جون لوك أقام منظومة الحقوق المتمركزة حول الحق في الملكية الخاصة، وفي استثمارها على أساس مزدوج: طبيعي يمنحه صفتي الثبات والكونية ، وتعاقدي يمنحه الشرعية المدنية.

ورغم أن القيمة المعرفية للمقاربة اللوكية، تتراوح بين الاعتماد على المسلمات الساذجة أحيانا، والقدرة على بلورة إرهاصات النتائج العلمية اللاحقة له بقرون أحيانا أخرى، فمن الإنصاف أن نقول أن لوك لم يكن هدفه دراسة تاريخية لنشوء الملكية الفردية وتطورها، إذ كان هاجسه الأول ، إعطاء تبريرات نظرية "مقنعة" لسيرورات التراكم الرأسمالي الصاعد آنذاك. وهذا ما يفسر حضور مقولة "التواضع والاتفاق" بشكل مكثف على امتداد فصل "في الملكية"، يقول لوك: <<ولكن لما لم يعد يتسع المكان الواحد لمواشيهم، ولم يعد بوسعها أن ترعى معا، اتفقوا على الافتراق، فانتجع كل منهم مراع أرحب حيث شاء>>، و<< وهكذا وطدت دعائم الملكية التي استحدثها العمل أو الكد، بالتعاقد والاتفاق>>(ف45).
إن الملكية اعتلت سدة القضية المركزية في مقالتي"في الحكم المدني" إذ الحفاظ عليها هو << الغاية الأولى(...) لاندماج الناس في المجتمع>> - في نظره- بل هي معيار الانتماء إلى المجتمع المدني: << هذا الفريق من الناس(أي الرقيق) إنما هدروا حياتهم وحرياتهم وخسروا أملاكهم ولم يعد لهم حق التملك قط، ما داموا على حال العبودية، فاستحال اعتبارهم جزءا من المجتمع المدني، الذي يهدف قبل كل شيء، إلى المحافظة على الملكية. يقول "لاسكي" بأن لوك" أقام دولة أساس المواطنة فيها الملكية الخاصة".

كما تتجلى لنا أهمية الثروة بوضوح ، في كون لوك لم يكتفي- في تحديده لأهم الصلاحيات الطبيعية التي يعمل الفرد على تفويتها إلى الدولة- بحق التأديب ومعاقبة المذنب ، بل أكد أيضا على حق التعويض:<< قد يتفق للحاكم أن (....) إلا أنه لا يستطيع أن يسقط حق التعويض.>> إذ كان يكفي، في مجتمع القرون الوسطى، بالنسبة للأسياد الإقطاعيين الانتقام من العدو ففي ذلك رد للشرف. كما جعل من مصالح البورجوازية"مصلحة عامة" توازي بل تماهي<<ضرورة استمرار النوع البشري>>، وبذلك كان يؤسس لخلق إجماع شعبي على هذه المصالح:<< وعندها يحق لأي كان، إذا حسن عنده الحق بالانضمام إلى المعتدى عليه>>.
بل إن الملكية هي في منزلة"الحياة والحرية" بحيث إن مفهوم الملكية، كما يرد في أغلب الأحيان- في المقالتين وفي الرسالة في التسامح- يشملها جميعا: الحياة، الحرية، الملكية).

من كل هذا نستنتج أن الحداثة ليست جهازا مفاهيميا يكفي بذره في الخطاب النظري والسياسي، من أجل استنبات مجتمع حديث، وإنما هي صيرورة تاريخية تراكمية ، التأمت فيها وتفاعلت تركيبة من الشروط الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والروحية لتسفر في النهاية عن نقلة نوعية في نمط الإنتاج والتنظيم الاجتماعي والتفكير. ويمكننا أن نخلص من هذه الدراسة إلى وجوب توفر شرطين لازمين على الأقل، لكي تنطلق هذه الصيرورة: مثقفين عضويين(لهم ارتباط والتزام طبقي) مثل جون لوك، وقبل ذلك وجود طبقة اجتماعية صاعدة، تحمل مشروعا اجتماعيا بديلا و طاقة سياسية ثورية.
فهل انطلقت هذه الصيرورة يوما في المجتمعات العربية (ضمنها المغرب) ؟ وهل بإمكانها أن تنطلق؟ هل توجد مثيل للطبقة البورجوازية الثورية في تشكيلتنا الاجتماعية-الاقتصادية؟ بل هل مازالت مهمة التغيير الحداثي مرتبطة بنفس الطبقة التي ارتبط بها في الغرب، خاصة في هذه المرحلة المعولمة من اشتغال النظام الرأسمالي، وفي ظل تبعية البورجوازية المحلية للرأسمال العالمي، في إطار تقسيم لامتكافئ للعمل؟ والمثقفون والقوى السياسية التي تريد حفز هذه الصيرورة هل هم واعون بشروطها التاريخية اللازمة؟
كان هدفنا الأساسي في هذه المقالة، كما يمكن للقارئ أن يلاحظ، هو التأسيس نظريا وتاريخيا لمشروعية نقد تهافت أغلب مكونات المشهد السياسي، غير الإسلاموية (بل حتى بعض المكونات الإسلاموية أحيان شأن "حزب العدالة والتنمية")، على شعارات "الحداثة" و"التحديث". وحتى لا يساء فهمنا، فنحن نقر بضرورة إنجاز مهام التحديث الحقيقي في مجتمعنا، والقطع مع البنيات التقليدية. إلا أن نقطة البداية في هذا المشروع التاريخي هي النقد.

* الإحالات المرجعية:
1 - نستعمل مفهوم "النقد" هنا، ليس بمعنى النفي والهدم، وإنما النقد بالمعنى الكانطي، أي التساؤل عن الحدود الواقعية والإجرائية للخطاب السياسي "الحداثي"، وشروط إمكان تحققه في الواقع العيني للمجتمع المغربي.
2- التقليدانية traditionnaliste تمييزا لها عن التقليدية . فالأولى هي نزعة فكرية وسياسية تعتبر الماضي نموذجا للمستقبل، أما الثانية فهي النخبة الفكرية والسياسية ذات التكوين والقيم التقليدية.
3- الحداثة modernité : مفهوم يشير باختصار شديد إلى حركة التاريخ الأوروبي ونتاجاتها منذ عصر النهضة والإصلاح الديني اللوثري حتى اليوم، ومحركه الأول صعود نمط الإنتاج الرأسمالي وتوسعه(صادق جلال العظم، ص 227)، تمييزا لها عن التحديث modernisation : و هي الصيرور المحفزة إراديا من قبل فاعلين سياسيين، مستلهمين في ذلك صيرورة الحداثة التاريخية الغربية، ومستهدفين الانتقال بمجتمعاتهم من البنى التقليدية إلى البنى الحديثة. لذلك نوثر استعمال المفهوم الأول عند الحديث عن الحداثة الغربية والمفهوم الثاني عند الحديث عن مشروع التحديث عند السياسيين العرب.
4 - وهذا على الرغم من الأهمية الجوهرية لمفاهبم أخرى مثل مركزية العقل مقابل الغيب والمجتمع المدني مقابل المجتمع الديني، والعلمانية مقابل الثيوقراطية، التي سنتركها لمناسبات أخرى.

5 - أنظر مقالتنا "الدلالات التاريخية لمفهوم "الطور الطبيعي عند جون لوك" منتدى دروبwww.doroob.com و www.anfasse.net
6 - موسوعة لالاند الفلسفية، تعريب خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، بيروت-باريس ، الطبعة الثانية 2001.
7 - أنظر الدلالات التاريخية لمفهوم الطور الطبيعي عند جون لوك ، نفس المرجع
8- إعلان حقوق الإنسان والمواطن1789، دستور 1793، إعلان حقوق وواجبات المواطن 1795.
9 - La question juive, trad, M. Simon, Ed. Bilingue Aubier
10 - د صادق جلال العظم، دفاعا عن المادية والتاريخ، دار الفكر الجديد بيروت لبنان 1990- ص35
11 - أنظر الدراسة التي ذيل بها العفيف الأخضر ترجمته للبيان الشيوعي(فصل : الاقطاع) دار الطليعة (بدون سنة).
12 - جون لوك ، رسالة في التسامح، ترجمها عن الأصل اللاتيني: د عبد الرحمن بدوي، دار الغرب الإسلامي بمعونة من اليونيسكو- ص 102.
13- Mikael Garandeau, Le libéralisme G F. Flammarion 1998
14 - E.Mandel- Traité d’économie marxiste- tome I . Edi : 10-18- p 82
15 - نفس المرجع.

الدلالات التاريخية لمفهوم "الطور الطبيعي" عند جون لوك



إننا، في كثير من الأحيان، نحاكم الانتاجات الفكرية الماضية، انطلاقا من سياقنا التاريخي والفكري الراهن، وكأن المفاهيم التي عبرها يتم التفكير، كيانات ميتافيزيقية ثابتة ومتعالية على الصيرورة التاريخية. وبذلك نجحف في حق التراث الفكري، عندما لا نقرؤه في ضوء سياقه التاريخي. وإن مفهوم"حالة الطبيعة" أو "الطور الطبيعي" في الفلسفة السياسية لفلاسفة العقد الاجتماعي خير مثال على هكذا سوء فهم، إذ يعتبره الكثير شطحا من الخيال، أو تحريفا للتاريخ البشري، أو فرضية لا تستند إلى أي أساس. فما هي دلالة مفهوم "الطور الطبيعي" في نظرية التعاقد الاجتماعي، في ضوء السياق التاريخي للقرنين السابع عشر والثامن عشر؟
في محاولتنا للإجابة عن هذا السؤال، سنركز بالأساس على جون لوك(1632-1704) من خلال كتابه الأساسي في فلسفة السياسة:"مقالتان في الحكم المدني" .
" لقد كانت المسألة السياسية، في بداية القرن السابع عشر، ذات أهمية بالغة في انكلترا غارقة في الأزمة" ، لذا كان على المفكرين السياسيين بلورة أجوبة على واقع الأزمة هذا. وبما أن الأحداث اتخذت وجهة جديدة نوعيا، كان على هؤلاء المفكرين صياغة أدوات مفاهيمية جديدة وقوية تستطيع أن تستوعب تلك الأحداث، وتساهم في توجيه منحى حركتها.
مفهوم "حالة الطبيعة" في مقابل مفهوم "المجتمع المدني": ثنائية مفهومية مثلت أبرز هذه الأدوات النظرية الجديدة، بل شكلت أرضية مؤسسة لمذهب فلسفي شغل مساحة جغرافية امتدت من الجزيرة الأنجلوسكسونية إلى القارة العجوز، ومساحة تاريخية امتدت من بداية القرن السابع عشر، مع هوبز، إلى نهاية القرن الثامن عشر مع روسو.
يصف هوبز"الوجود الطبيعي" على أنه "حالة حرب الكل ضد الكل" حيث " كل فرد هو ذئب بالنسبة للآخر" . إنها ليست ملحمة من صنع الخيال المحض، بالطبع، يل إن حالة الطبيعة هنا هي تجريد لحالة الحرب الأهلية والفوضى العارمة في انجلترا آنذاك، وهي مبرر دعوة هوبز إلى السيادة المطلقة للتنين Leviathan ، إذ لا خروج من حالة الحرب هذه" التي تمثل الجانب الأكثر بشاعة في الطبيعة البشرية" ، إلا بالاتفاق- الذي يؤسسه الحساب العقلي للمصلحة- بين جميع الأفراد المتنافسين، تعاقد على تفويض حقهم الفردي المطلق في الحفاظ على أنفسهم، إلى سلطة مدنية مركزية مطلقة الجبروت.
أما بالنسبة للوك، الذي اعتبر طور الطبيعة " حال من السلم وحسن الطوية والتعاون والبقاء، واختلافه التام عن حالة الحرب(...) رغم خلط بعضهم(يقصد هوبز) بينهما"(الفقرة19)، فلنتمعن في المقاطع التالية من المقالة الثانية من كتابه:
- "كل جرم يقترف في الطور الطبيعي، يمكن معاقبته في هذا الطور إلى الحد نفسه الذي يمكن معاقبته في دولة ما".
- إن قوانين السنة الطبيعية واضحة " وضوح قوانين الدولة الوضعية، بل هي لعمري أوضح منها وأجلى"
- " إن قوانين دولة ما لا يصح اعتبارها قوانين عادلة إلا بمقدار ما تقوم على تلك السنة الطبيعية التي ينبغي أن تفهم القوانين وتؤول على أساسها".
انطلاقا من هذه المقاطع ومن سياق الكتاب برمته، نستشف أن لوك يريد أن يجعل من "الطور الطبيعي "، نموذجا مثاليا لطبيعة النظام السياسي المنشود، لأنه-ربما- لم يجد نظام حكم قائم، يمكن الاحتذاء به، كما فعل مكيافيللي بالنسبة لقيصر بورجيا . إذ كان لوك المعبر الفكري عن مرحلة انتقالية من حاجة البورجوازية الصاعدة إلى الحكم المطلق، إلى نشدانها الديمقراطية والقضاء على الأنظمة الثيوقراطية(الحكم الديني) التي كانت تستند إلى نظرية التفويض الإلهي . وهو توظيف لفرضية "الطور الطبيعي " مخالف لما كان عليه الشأن عند مواطنه هوبز الذي استعملها – كما سبقت الإشارة- كمرآة لواقع الفوضى في المجتمع الإنجليزي آنذاك، وجعل منها فزاعة لتبرير الضرورة الملحة لدولة قوية- ولو كانت مطلقة الحكم، بل عليها أن تكون مطلقة الحكم في مثل هذه الظروف – إلا أن لوك عمل على تفادي المنزلق الذي يمكن أن يفضي إليه اتخاذه طور الطبيعة كطوبى ( نقصد هنا منزلق نبذ جميع أشكال الحكم)، بنصبه جسرا من "طور الطبيعة" إلى "طور المجتمع"، وتمثل هذا الجسر في ضرورة التعاقد بين الأفراد من أجل تأسيس حكم مدني، لتقويم "آفات واعوجاج الطور الطبيعي(...) وإني (يقول لوك) أول من يسلم بأن الطور المدني هو العلاج الأصيل لآفات الطور الطبيعي، وهي آفات جسيمة حقا في تلك القضايا التي يكون فيها المرء خصما وحكما في الوقت ذاته".
إن طور الطبيعة نموذج "للمجتمع المدني" المنشود حتى في التفاصيل: فالسلطة التشريعية نموذجها "السنة الطبيعية"، والسلطة التنفيذية نموذجها "حق الفرد في الاقتصاص من المعتدي". وبما أن الطور الطبيعي - الذي يتمتع فيه الأفراد بالحرية في انتزاع حقوقهم بأنفسهم- قائم دائما وهو المرجع كلما حاد الحاكم أو السلطة التشريعية عن شروط "التعاقد" التي أعلتهم سدة الحكم، فهو تبرير يجعل من "الثورة المجيدة" 1688- التي صيغ في خضمها الكتاب- حدثا طبيعيا حتميا. وتجدر الإشارة هنا إلى أن لوك، عندما يماثل حكم الطاغية المطلق بالطور الطبيعي، فهو يركز إذاك على ما أسماه "آفات الطور الطبيعي"، ما دام الملك في إطار الحكم المطلق يكون هو"الخصم والحكم في الوقت ذاته"، بل إن هذا الحكم أسوء من الطور الطبيعي في نظره:" فإذا كان الحكم المدني هو علاج هذه الآفات التي تنجم حتما عن كون المرء الخصم والحكم في قضية ما، وإذا كان الطور الطبيعي طور لا يطاق، فإني أود أن أعلم ما هي طبيعة هذا الحكم وميزته على الطور الطبيعي إذن، ما دام لرجل واحد متسلط على الجمهور، الحق في أن يكون الخصم والحكم، ويصنع برعاياه ما شاء دون أن يستطيعوا أن يناقشوا أوامر الذين ينفذون مشيئته وكل ما يفعل: سواء أكان رائده العقل أم الجهل أم الهدى؟ وتلك أشياء لا يتوجب على البشر أن يقوموا بها، حتى في الطور الطبيعي. إن من يقضي قضاء جائرا، فيما يعنيه ويعني سواه من مشاداة، مسؤول عن أحكامه أمام سائر البشر"(ف13).
وليس الطور الطبيعي نموذجا للمجتمع المدني والقانون الوضعي في ظل الدولة الواحدة فحسب، بل هو نموذج للقانون الدولي نفسه، في نظر لوك، بحيث إن"الدول في علاقاتها بعضها ببعض، كأنما توجد جميعا في الطور الطبيعي".
من هنا يبدو جليا أن للمفاهيم النظرية، التي شكلت قوام الفلسفة السياسية الحديثة، وبالأخص عند جون لوك، صيرورة تاريخية حية ، ومحايثة للتحولات السياسية الواقعية التي اعتملت المجتمعات الأوروبية، والمجتمع الإنجليزي على وجه الخصوص. إلا أن هذا لا يلغي القيمة النظرية والصلاحية الإجرائية الراهنة لهذه المفاهيم، بشرط الوعي بمحدودية هذه الصلاحية.

- الهوامش:

1. -جون لوك "مقالتان في الحكم المدني" ، ترجمه عن النص الإنجليزي: ماجد فخري، اللجنة الدولية لترجمة الروائع، بيروت 1959.
2. من مقدمة كتاب "المواطن" لطوماس هوبز: Le citoyen ; Hobbes ; Simone Goyard- Fabre
3. طوماس هوبز " التنين": Thomas Hobbes ; Léviathan, Philosophie politique ; éd. Sirey ;1971
4. وحش بحري في الأساطير الأسيوية، استعار هوبز التسمية لكي يطلقها على الدولة المدنية المركزية القوية الناتجة عن التعاقد بين الأفراد ولكنها ليست طرفا في ذلك التعاقد.
5. -من مقدمة كتاب "المواطن".
6. نيقولو مكيافيللي - "الأمير" ضمن "تراث الفكر السياسي قبل الأمير وبعده"، ترجمة خيري حماد وتعقيب د فاروق سعد، دار الآفاق الجديدة –بيروت 2002
7. بدأ لوك في كتابة مقالتيه في الحكم المدني بعد ظهور كتاب روبير فيلمر(أحد أهم فقهاء الحق الإلهي) Patriarcha الحكم الأبوي عام 1680 وكان يهدف من وراءهما إلى إثبات فكرته عن الحرية الأصلية، وقد أفرد المقالة الأولى لمهاجمة مبدأ حق الملوك المقدس في الحكم المطلق باسم الله، وهو المبدأ الذي دافع عنه فيلمر.

ديوان شعري - هيروغليفيات القلب القديم







وعود الفراشات



- سيدتي.. الهامدة بقربي!



اسأليني من فضلك..
فالسؤال وصفة الآلهة في الخلق
-...!
- اسمعي:
الحزن جوهري الأولِْ
والرعشة إيقاع إسرائي
صوب الانعدام في دمكِ
لتكوني جوهري المتنقلْ
تلقنني انكساراتك الكتيمهْ
كيف أوزع المعنى
على فراغات المكان
وكيف أحتمل لزوجة الوقت
- ... ؟
- من فضلك.. لا تسأليني عن تاريخ مفترض لعدمي
وعن اسم كان لي
فأغنيتي القديمة تراخت على لساني جثهْ
لا تسأليني عن" خسارات تلزمني أصابع أخرى لأعدها"
الآن، أريد أن أولد نقيا كأمنية بدائية
البارحة كانت
آخر فرصة لتقتلينني.
سيدتي المتألمة.. اختاري لي جرحا من جراحاتك..
مهدًاً..
كي أسرق الألم منك وأكبر
كي..من يدري.. كي أتقمص وردة
فأوبخ أيامك الحزينة.
أوقفي موكب فراشاتك
بالضبط بين اشتياقي.. واستحالتك
ثم اختاري لي قدرا يناسب أحلامي.
- ...!
- كلا! لست مجبولا من زفرة إله ضجر
أنا باقة رفض
فقط مرغيني قليلا في شهد كفك
وامنحيني للمستقبل
ولسوف أرسل إليك بريقا أزرق..
ليكتمل تأليفك.. أنشودة للخصب.

***


مدينة من ماء
لرشفة من خمر شفتيكِ
أن تغسل فداحة العالم
أن ترتب ملامح وجهي
حسب ما تشتهيه الملائكة
أن تحي رعشة من عهد العشق الحجري
وكتب حب أصابها التاريخ
قبلتك..
شرفة على ربيع القلب المنسي
يا هذه المغتربة فيَ
يا هذه المجتاحة غربتي
أمعني في الغزو
فأنا مستباح لكِ
كل الشواطئ في دمي
تعد لك عناقا
يذيب صقيع الغربة.
ولسوف أهديك مدينة من ماء
يقف النهر مشدوها لروعتها
فتقدمي..
أشهري روعتك وتقدمي، فأنا مستباح لكِ.

***




كــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــونٌ
كان المساء ضيفا علينا
وكنا ضيفين على البحر
فأهدانا البحر لعبة الغروب
وأهديناه..
كلمات سريه
وقبله
مضطربة لكن مقنعة
مقنعة حد الإيمان
لقد آمن البحر بنا يا حبيبتي
فلنزركش أغانينا بالصدف والطفولة
(نخبك)
حرري دموعك الأسيرة منذ الأزل
فالليلة مباحه
والعشب بين صدرينا محتاج للخصب
اعبثي بشعرك..
بطرف قميصي
فأنت من الآن
سيدة هذا الكون
الممتد
من التقاء شفتينا حتى اللانهاية...

***




هيروغليفيات القلب القديم
بهذا القلب المفتت إلى أجزاء،
كم سأحبك من حب صغير؟
أيكفي أن حكاياتنا مائيهْ.
وأن بوح الذاكرة انحسر عند حافة البوح؟
الألم كان طقس تعميدي راهبا لكفر لذيذ..
يبشر به صوتك
لا تجزعي..!
لحظة ما، ستمارسين حقك كاملا كإلهة
وسوف أشرع لك دهاليز نفسي
عندها .. استعدي للوجوم.. أمام هيروغليفيات القلب القديم.


***




شبه جزيرة أخرى

قبل أن يهبط معناك
على القلب المتخبط في جاهلية الفراغات
كيف كانت تجتازني برودة الليالي؟!
كنت أراقب طريق الحرير..
أو طريق الزعفران
على كفي
وأتدفأ بغناء القوافل
لكن لا ظل لجسدي كان ..
ولا ظل لأوهامي
أنظري إلي! باركي حركتي
تركت لثوي حكايات من مرايا..
أتعبتني
هذا الخائف من الالتفات.. أنا!
لئلا أمسخ تمثالا من ندم
فدعي كفي ترسو على خاصرتك
كي لا أضيع وجودي.. ثانية
بين صرامة التسميات(هذه المرة)
قد لا ألتفت
لكني قد أصاب باسم ما
فأتوقف عن الحياة
وعن الموت.
أحببتني؟
لكني غير موجود
أو على الأقل..
منتشر في كل مكان
صدقيني..ارتمي عبثا..
وستجدين وجهك على صدري..
وذراعاي تلفانك..
تحاولان حصر دفؤك الممتد كمناخ القصائد


***



ندى الحزن










هذا المساء
عيوننا تتبادل الحزن
كهدايا صغيرة.
إنه طموح الجسد
في أن يحترق بالجسد..
ليحيا
يتجاوزنا الجسد في الحضارة،
يتجاوزنا الجسد
ونحن أضيق من شهوتنا.
تحزنين على زهرة تفتحت
على شفتيك
هذا المساء
وأنا لا أمنحك غير ندى الحزن
هذا المساء
سدى أبحث عن أمنية
ننام في دفئها ملتصقين
حتى الصباح، حيث يقهر الضوء عجرفة القصائد.
لا يا حبيبتي
لا تنسحبي مني ولو أني غير جاهز للغناء
انتظريني ألملم بضع زهرات وانتظارات
كنت بددتها تحت شرفات مهجورة
وأنا واثق من قدرتي على الغناء
على الرقص..
على الركض في دمك
حتى تنفجر اللذة

***




سفر تكوين









في هباء الفراغ الأول
تتحرك المشاعر- كيفما اتفق-
مختلطة.. متجانسة
أقد جزءا من كثافتها- الأكثر زرقة-
أربيه كشيطان صغير.. مهجور
أسميه "أعشقك"
"أعشقك": هي "أريد أن أكون مرئيا بعينيك"
عيناك بوابة الماهية
إن طردتني من باقة رؤيتك..ذبلت،
ودخلت في دورة ما..
أنا مجرد لون
إن أطفأت نظرتك.. انطفأت
لا تنامي رجاء
افهمي هذه الحركات الساذجة
أنا أحاول أن أرج الوقت الذي يتكلس
حول جفنيك
كي لا يدركك موسم نوم آخر.


***



نهج سيرة









في مسافة تمتد
بانحسار الظل
استقطب الشحوب من الأشياء
وأمارس الفقدان
كأني محتاج للألم
إني أخشى الملء
بقدر ما تخشى الطبيعة الفراغ
أخشى الاكتمال
لذا أرسم دوائر مفتوحة..
خطوطا تلتقي كلما شاء القلب
عبثا.. تحاولين إمساكي
فأنا.. لست بالضبط أنا

***




بلاد القمر









في بلاد القمر
تكبر الكلمات وتكبر
ولن تلامس قامتها
غمام السر
ألف قمر مر من هنا
وهذا الباب موصد
خلفه أذوب
لتشربني الأشياء الشاحبة
سحرا
يضيء سهرتك
ويعطر فنجانك
عزيزتي.. هذا الحب ضئيل!
أحمله وأقف
لتتشبث بي الأشياء...

***


اعتذار









لم أزهر بعد
وأنت سيجتني بهذا الحضور المطلق
فلا تستائي..
إذ أنثر دخان سيجارتي
مناخا للهروب
واعتذر
لفجر يبزغ في عينك
عن إخلافي موعدا
فاجأني

***



تسافر في غبش التنهيدة

"حمال للحزن صوتك" قلتِ.
هذا الصوت القزحي
الممتد من عتمة الأعماق
إلى شلال كفك
أنا معبَر مني إليك لأشياء تسافر في غبش التنهيدة
لا ألمح لها وجها.
خبريني عني قليلا
هذا الحزن المتلألئ في كلماتي
أهو بلور الأحقاب البعيدة؟
أم هو ندى كل صباح؟
مذاقه.. مذاقه يشبه جفولا للجسد
يشبه..
حرف "الثاء" في فم محموم بالشبق

***


الشرط النرجسي

تشتهيني مسافات الليل
بين تشكل الدمع
وهبوب أنفاسي
مناخا لنهديك
لحظة يكون الشبق وحده تفسير العالم
أنا أبيد اسمي
أطهر جسدي من عِرقي
وأدخل الليل
متأبطا نفسي
حتى أستطيع أن أعشقك خارج الشرط
لحظة يكون الشبق وحده شرطي
ليلك انكشاف الجرح
أمام النرجس
ليلك انعتاق ما في الجرح من لذة
أنادي آلامي وأحلامي كلها
ليلك يستوجب الحضور
قبل هذا التوحد لم يكن شيء
يخرج المطلق من هذا العناق ويمتد
لا أنتظر بعد الآن شفقة الفجر علي
فأنا أشتهي الليل
تفاحة تتكثف فيها الحكايهْ

***






لماذا يتحسر من يتحسر!؟









ماذا وجدنا على هذا الشاطئ
حيث أقمنا حضارة جديدة..
حتى يتحسر من يتحسر!؟
بقايا قبل لشفاه التقت صدفة!؟
ونفايات خرق ووعود
استعملها أكثر من عاشق
كانوا على عجلة من حبهم!
صحيح أن الأضواء
كانت تنشق من صدر البحر
قبل هذا العهد
لكن، نحن أولناها
فانوجدت..وفرحت..وفرحنا
كما يفرح أي خالق
فعلى ما يتحسر من يتحسر!؟
أعلى فقر الدلالات؟
يالبؤس المشهد المسكين
إذا ما هزمنا أيها الشاطئ.




***


فردوس السديم





أفضل السديم،
أفضله كثيرا.
أستجمع كومات منه،
من الجزر السحيقة-حيث تلتبس الخيبات بالغبطات-
لألف بها الأشياء
حتى أنسى وضوحها القاتل.
علاقتي بالعالم مائية
وحين يتوقف الماء عن الهذيان،
ليغدو العالم انعكاسا لهذياني
يتساقط الآلهة واحدا، واحدا،
فتنكشف عورة الماء..
يا للرعب..!
ورطني النهر بأن أودعني لونه وغادر.
نامي بين راحتي..
عل الموج الشبقي يجردك من صدفتك البرية،
فننعتق من معرفة أصابتنا.

مذكرة وزارة التربية الوطنية رقم 73:

"دعم مدرسة النجاح"، أم التهرب من تحمل مسؤولية الفشل؟


"أنزلت" وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي المذكرة رقم 73 والمؤرخة في 20 ماي 2009، والتي تنص على ضرورة إحداث، على مستوى كل مؤسسة تعليمية، جمعية تسمى"جمعية دعم مدرسة النجاح" ، ك"إطار عمل لوضع مشاريع المؤسسة، وصرف الاعتمادات الخاصة بدعمها، وبلورة أهدافها على أرض الواقع" - حسب نص المذكرة - وك"أداة قانونية لتفعيل المشروع رقم 18 من البرنامج الاستعجالي2009-2012 ، المتعلق باستكمال تطبيق اللامركزية واللاتمركز، وذلك بتمكين المؤسسات التعليمية من التدبير المالي اللازم لتنفيذ مشروع المؤسسة من طرف مجلس التدبير، وبمشاركة جميع الفاعلين..." - حسب نص ديباجة "مشروع" الاتفاقية الإطار بين هذه الجمعية والأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين - . سنحاول أن نقوم في السطور التالية، بقراءة نقدية ،تتوخى الموضوعية، للمرتكزات المرجعية للمذكرة ، ولبنية نصها والوثائق المرافقة لها( مشروع القانون الأساسي، مشروع الاتفاقية الإطار، البطاقة التقنية)، كما سنحاول الحديث عن الملابسات الظرفية المحيطة بإنزالها والأجندة الزمنية المسطرة لتنفيذها، فضلا عن محاولة استكناه الخلفيات السياسية الثاوية وراء هذه الخطوة.

1- المرتكزات المرجعية:
يمثل البرنامج الاستعجالي المرتكز المرجعي الأساسي، كما يعلن نص المذكرة نفسه. وهنا لا بد من إثارة الانتباه إلى أن هذا البرنامج مازال محط رفض من قبل الهيئات الممثلة لأهم الفاعلين في قطاع التربية و التكوين( بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بتاريخ الدار البيضاء في 7/10/2008، بيان الفدرالية الوطنية لجمعيات آباء وأولياء التلاميذ بالمغرب في 6 نونبر 2007)، ويركز نقد هذه الهيئات للبرنامج المذكور على الجوانب التالية - مع تثمينها لبعض النقاط الواردة فيه مثل تلك المتعلق بتعزيز البنية التحتية- :
- انفراد الوزارة بوضع البرنامج الاستعجالي، مستعينة بمكاتب أبحاث خاصة، ومقصية ممثلي الفاعلين الحقيقيين في القطاع.
- التباس العلاقة بين البرنامج الاستعجالي والميثاق الوطني للتربية والتكوين، خاصة أن العشرية التي يغطيها هذا الأخير لم تكتمل بعد.
- تضييق المجال أمام ولوج الجامعات، بالنسبة لخريجي الباكلوريا.
- اعتماد منطق محاسباتي- تقنوي في تدبير الموارد البشرية، هاجسه التوازنات المالية لا أكثر(ص55،56،61)، والذي لن يؤدي إلى "الرفع من الجودة" بقدر ما سيؤدي إلى المزيد من إنهاك رجل التعليم وتدهور وضعيته، وفقدانه للحوافز الذاتية للعطاء...
- غياب إستراتيجية لغوية واضحة.
- تشجيع التمييز والنخبوية، من خلال إحداث ثانويات مرجعية وثانويات للتميز، إلى جانب الثانويات العادية (ص 43 ).
- إضفاء الطابع السلعي على التعليم.
غير أن السياق الذي استدعى استحضارنا للبرنامج الاستعجالي، يتطلب منا التركيز على الشق التمويلي من هذا البرنامج والمتمثل في:
- اتجاه الدولة، ممثلة في وزارة التربية الوطنية، صوب التملص من تمويل التعليم العمومي، باعتباره يشكل ضغطا على ميزانية الدولة، ومن ثمة اللجوء إلى الفاعلين الاقتصاديين ... (ص80)، كما يتجلى هذا التملص في إقرار تدابير تحفيزية تمكن من تسهيل استثمار الخواص في قطاع التعليم(ص82)، وفي العزم على تفويض تدبير مؤسسات عمومية قائمة (تفويت البنايات والتجهيزات وإلحاق الأطر التربوية بالتعليم الخاص، وتقديم إعانات محتملة لتسيير مؤسساته حسب التعريفة المتبناة في كل مؤسسة مثلا ) ص(82)؛ وخوصصة عدة مرافق و وظائف في المدرسة العمومية ( البناء؛ الصيانة والترميم؛ النقل؛ الحراسة والأمن؛ الفضاءات الخضراء وتدبير الداخليات)(ص81). بالإضافة إلى تطوير العرض التربوي الخصوصي في التعليم الأولي ( ص13)؛ وإحداث صندوق لدعم التعليم المدرسي تتم تغذيته من قبل "فعاليات المجتمع"(ص:81)، أو "كل مكونات المجتمع" (ص 80 )؛ وفي الأخير إحداث العديد من الوكالات : (وكالة وطنية لتدبير البنايات والصيانة، وكالة النهوض بالتعليم الأولي، وكالة النهوض بالتعليم الأولي ووكالة التجديد والبحث التربوي)
[1].
يجب أن نتساءل هنا: إن لم ترعى الدولة وتمول الخدمات الاجتماعية الأساسية، مثل التعليم، لصالح عموم المواطنين، بميزانيتها التي قوامها أموال هؤلاء المواطنين، فأي وظيفة اجتماعية تتبقى لها؟ (يمكن أن نجازف ونقول: وكيل للمستثمرين وشرطي).
وكيف لمشروع كبير بحجم البرنامج الاستعجالي، لم يحض باتفاق الفاعلين، أن يشكل مرجعية لأية خطوة أخرى يمكن أن تحظى بإجماع هؤلاء الفاعلين. خاصة إذا كانت الوزارة، في إطلاقها لهذه الخطوة، وفية لنهجها العتيد في الإنزال الفوقي للقرارات بدون سابق تشاور ولا تداول مع الأطر الميدانية التي من المفترض أنها ستنفذ هذه القرارات أو تتأثر بمستتبعاتها(ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر شبكة التقويم التي تم تجميدها مؤقتا).

2- ملابسات الظرفية.
أنزلت الوزارة هذه المذكرة في فترة حافلة بالأحداث التي تستقطب اهتمام الجميع، والمتمثلة في الانتخابات الجماعية، وامتحانات نهاية السنة، وخصوصا امتحان الباكلوريا. مما يطرح عدة أسئلة حول براءة اختيار هذه الفترة بالذات، خاصة أن الوزارة تطالب بتأسيس جمعيات"دعم مدرسة النجاح" قبل متم هذه السنة الدراسية. كما شرطت استفادة المؤسسة من التمويل بشرط تأسيس هذه الجمعية.

3- "مشروع" القانون الأساسي: درس في الديمقراطية!
لقد أعطتنا وزارة التربية الوطنية درسا في الديمقراطية والالتزام بالشرعية القانونية، درسا فريدا من نوعه! ففي نص المذكرة تدعو الوزارة إلى تعميم الوثائق، من أجل أن تبادر المؤسسات إلى "تأسيس هذه الجمعيات، وإلى تشكيل مكاتبها حسب ما تقتضيه القوانين الجاري بها العمل(والمقصود هنا أساسا، قانون تأسيس الجمعيات). وهذا يصدقه الفصل السادس من "مشروع" القانون الأساسي، حيث يقول"يتكون الجمع العام من جميع الأعضاء ويعتبر أعلى هيئة تقريرية في الجمعية(...) ويردف: وينعقد الجمع العام مرة كل ثلاث سنوات لتجديد المكتب...). نفهم من منطوق هذه الصيغ أن الجمعية ستتأسس وفق مقتضيات قانونية سليمة، ووفق مبدأي الديمقراطية والاستقلالية، بحيث ستكون الهيئات التقريرية للجمعية سيدة نفسها، على مستوى انتخاب أعضاء المكتب، كما على مستوى بلورة القرارات المتعلقة بأنشطة الجمعية.
لكن هذه القشرة البراقة ستتلاشى بمجرد أن نطلع على الفصلين الثامن والتاسع. ففي الفصل الثامن المتعلق بالمكتب التنفيذي للجمعية، نجد تعيينا دقيقا ومسبقا للأشخاص الذي سيتقلدون مهام التسيير: جميع أعضاء مجلس التدبير، وعضوين منتخبين من المجلس التربوي، والأدهى من كل هذا، أن يترأس المكتب التنفيذي، وبالتالي الجمعية، رئيس المؤسسة، وأن يتقلد المقتصد مهمة أمانة المال. فأين هي الديمقراطية إذن؟
أما الفصل التاسع والمتعلق بمهام المكتب التنفيذي، فيجعل أولى هذه المهام: "تنفيذ قرارات السلطة الحكومية المكلفة بالتربية والتكوين في مجال الارتقاء بجودة التعلمات والحياة المدرسية...". فأين هي الاستقلالية إذن؟
كما نجد في الفصل التاسع عشر، المتعلق ب"حل الجمعية"، خرقا واضحا للفصل السابع من قانون تأسيس الجمعيات، إذ يجعل قرار حل الجمعية في يد "السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم المدرسي على المستوى الجهوي أو الإقليمي"، ضاربا بعرض الحائط مقتضيات القانون التي تنص على أن المحكمة الابتدائية هي الجهة المختصة بهذا الإجراء.
هذا ناهيك عن أن "البطاقة التقنية" المرفقة بالمذكرة، تحدد "مراحل تأسيس الجمعية" وكأنها تعليمات يوجه بها مخرج نبيه خطوات ممثليه- الكومبارس المغفلين. وبالفعل فالأمر يتعلق بمسرحية، إذ ما جدوى تشكيل لجنة تحضيرية صورية "توفر الوثائق واللوجستيك..." لشيء معد مسبقا. ونحن على امتداد هذه السطور وضعنا كلمة "مشروع" بين مزدوجتين لأن الأمر لا يتعلق بمشروع قانون أساسي أعدته لجنة تحضيرية، للمصادقة عليه وربما تعديله في الجمع العام التأسيسي، وإنما يتعلق الأمر بتعليمات وزارية نافذة ونهائية، ينبغي تطبيقها حرفيا. كما يفترض في "مشروع" الاتفاقية الإطار، أن يكون خطوة بعدية تتوافق بشأنها الجمعية مع الأكاديمية، أو مع أي شريك ترتئيه. ولكي نختم الحديث في هذه النقطة، وجب أن نذكر بأن الفصل 3 من قانون تأسيس الجمعيات ينص على أنه" يجوز تأسيس جمعيات الأشخاص بكل حرية ودون سابق إذن بشرط أن تراعى في ذلك مقتضيات الفصل 5". فأين هي هذه الحرية إذن؟.


4- "مشروع المؤسسة" كأرضية لعمل مجلس التدبير والجمعية.
يمكننا أن نصف مقاربة "مشروع المؤسسة" - وما تجر وراءها من صيغ منهجية ومفاهيمية ( التدبير بالنتائج...)- بالجميلة! من حيث توخيها عقلنة "الحياة المدرسية"، مع وجوب الحذر من تطبيقها الأعمى في مجال التربية، نظرا لانحدارها من مرجعيات مقاولاتية- تقنوية، ، شأنها شأن مفاهيم الجودة والمردودية....إلخ، بينما التربية مجال للفكر والعلاقات الإنسانية قبل كل شيء، وليست مجالا للتعامل مع الآلات وأرقام المعاملات والبضائع.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل هناك حد أدنى من الشروط المادية لأجرأة هذه المقاربة على أرض الواقع. نجد مثلا في الدليل المرجعي ل"مشروع المؤسسة" (الوثيقة 24. التدبير بالنتائج النقطة الخامسة) وجوب تشخيص النتائج المطلوب تحققها بواسطة "شبكة الجودة"، ومن ضمن محاور هذا التشخيص: "التتبع الفردي للتلاميذ"، فبالله عليكم! كيف يمكن القيام بهذا التتبع في قسم يضم 60 تلميذا؟ وربما ما هو آت أهول.
وفي النقطة الثالثة من نفس الوثيقة، نجد "موازنة النتائج المتوقعة مع الموارد المتاحة"، وهو ما سيؤدي إلى تكريس التفاوت وعدم تكافؤ الفرص بين المؤسسات وبين المناطق، علما أن الوثيقة 25 من الدليل تحدد مصادر تمويل مشروع المؤسسة في: الأكاديمية والمؤسسة والشركاء المحتملين(الذين يأتون أو لا يأتون!). والغريب أن مشروع المؤسسة يؤكد على المقاربة الحقوقية وعلى "أهداف الألفية للتنمية" و "التربية للجميع" وأهداف الخطة الوطنية للطفولة 2006/2015: "مغرب جدير بأطفاله"...
كما أن الأكاديمية تشترط، تقديم دفعات التمويل للمؤسسة، أولا بالمصادقة على المشروع الذي تقدمه، وثانيا بمدى توفقها في بلوغ نتائج ذلك المشروع. لكن ما ذنب تلاميذ المؤسسة التي لم يتوفق طاقمها الإداري والتربوي في بلوغ نتائج المشروع، حتى يحرموا من مصدر التمويل العمومي؟
وختاما للحديث في هذه النقطة لا بد أن نتساءل: هل كانت المؤسسات التعليمية، قبل نزول "مشروع المؤسسة"، تشتغل بدون برنامج مسطر، وبدون أهداف محددة، وبدون مساءلة وتقييم للنتائج؟ أم أن الأمر يتعلق فقط بتغيير معجمي يخص التسميات لا المسميات؟

5- الجمعية وصلاحيات مجلس التدبير.
كل الوثائق تؤكد على أن مشروع المؤسسة سيسطره ويصادق عليه مجلس التدبير، وهو من سيعمل على تنفيذه. فما هي الجدوى إذن من تأسيس "جمعية دعم مدرسة النجاح"، علما أنها تتشكل لزوما من نفس مكونات مجلس التدبير؟ لماذا ستحول الإمدادات التمويلية لحساب الجمعية وليس لمجلس التدبير؟ يقال أن المشكلة تتعلق بالقوانين المكونة للنظام الأساسي الحالي لمؤسسات التربية والتكوين، التي لا تسمح بتلقي التمويل من طرف المدير ومجلس التدبير، فإذا كان الأمر كما يقال، فلماذا لا يعدل هذا القانون، وكفى الله الأطر الإدارية والتربوية شر تشتيت الجهود وإضاعة الوقت؟ أم أن الأمر يتعلق بالكفاءة؟ لكن أكانت مكونات مجلس التدبير لديها الكفاءة أم لا، فهي نفسها من سيسير الجمعية؟ هل يتعلق الأمر بالرقابة والشفافية المالية؟ فلتنتخب كل مكونات المجلس بشكل ديمقراطي، ولتعطى للمجلس كامل الصلاحيات في التقرير والمساءلة. هذه هي الضمانات الحقيقية للشفافية، أما الجمعيات فنعرف أنها غدت مصدرا لارتزاق العديد من سماسرة العمل الجمعوي.

6- الخلفيات السياسية .
كل من يقرأ نص المذكرة (73) يتأثر باللغة الشعرية التي ختم بها، والتي تصف أهداف هذه "العملية" ب"الأهداف النبيلة!"، لكن القارئ سيتساءل بعد هنيهة من ذلك: ما موطن النبل في هذه الأهداف؟
وإذا رجعنا إلى نص "مشروع" الاتفاقية – الإطار بين المؤسسات التعليمية والأكاديمية ملتمسين الإجابة، سنجد أنه يؤكد بوضوح على أن "مدة الاتفاقية وسريان العمل بها 4 سنوات"، وسنجد في نص المذكرة أن الوزارة خصصت"اعتمادات مالية مهمة، توضع رهن إشارة المؤسسات التعليمية"(ما هذا الكرم المباغث!)، " برسم السنوات التي يغطيها البرنامج الاستعجالي". لا بد أن القارئ يتساءل معي الآن: وعند انقضاء هذه السنوات، من سيمول التعليم العمومي؟ تتضح الآن "الأهداف النبيلة لهذه العملية"، إنها انسحاب الدولة من تمويل "قطاع يثقل كاهل ميزانيتها". والبديل هو البحث عن مصادر أخرى للتمويل كما يحددها البرنامج الاستعجالي( في الصفحات من 79 حتى 83) - كما تحدثنا عنها في النقطة الأولى أعلاه- وستشكل هذه الجمعية نواة هذا البديل المستحيل المتمثل في الجماعات المحلية و هيئات المجتمع المدني(لا داع للتعليق على هذين المصدرين) وفي المقاولات "المواطنة" المعفاة من الضرائب يوما بعض آخر، والمتهربة مما تبقى من التزامات ضريبية، والآباء المثقلين أصلا بارتفاع الأسعار وتدن مستوى المعيشة. كما ستشكل وسيلة للتسول من المنظمات والدول الأجنبية.
هذا بالإضافة إلى أن تحديد السنوات التي سيغطيها البرنامج الاستعجالي في أربع سنوات، هو أمر غير صحيح في الواقع، كما أن تسمية البرنامج ب"الاستعجالي" تسمية غير دقيقة، إذ إن جل الإجراءات و التدابير المتضمنة في جل مشاريع البرنامج تفيد نية إعادة هيكلة المنظومة التربوية على أسس جديدة سترهن مستقبل الأجيال لعدة عقود قادمة. ومن ثم فنحن أمام مخطط استراتيجي جديد خيطه الناظم هو تعميق توجه الدولة نحو التنصل من مسؤولياتها الدستورية والتزاماتها الحقوقية. ناهيك على عن أن نص البرنامج نفسه يتحدث عن بعض الإجراءات و التدابير في أفق 2020!
ويمكننا أن نتحدث عن خلفية أخرى، تقف وراء تأسيس "جمعية دعم مدرسة النجاح" كإطار جمعوي متحكم فيه بشكل غير مباشر، بدل الهيئات والأجهزة الرسمية للوزارة، وتتمثل هذه الخلفية في محاولة تحميل الفاعل التربوي الموجود في أسفل الهرم الإداري مسؤولية فشل ذريع، تراكم لمدة 40 سنة، تتحمل الوزارة ، ومن خلالها الدولة وحدها مسؤوليته.

7- هل من بدائل؟
ليس كاتب هذا المقال أهلا لأن يبلور بدائل، هي في حقيقة الأمر، منوطة بقوى اجتماعية وسياسية، تحمل إستراتيجية للتغيير الاجتماعي. بيد أن كل من يمتلك الحس السليم يمكن أن يتفق معي بصدد النقاط التالية:
- إرساء علاقة ديمقراطية وشفافة ومسؤولة بين قمة المنظومة التعليمية وقاعدتها.
- إقرار مسؤولية الدولة في تمويل التعليم العمومي المعمم والمجاني ودعمه، ضمانا لحق أبناء الشعب المغربي في ولوج المعرفة والحصول على الوظيفة.
- مراجعة الاتفاقية الإطار مع المستثمرين في التعليم الخاص، والعدول عن التوجه الكامن وراءها، وهو خوصصة التعليم العمومي وتحويله إلى سلعة.
- إلزام الجماعات المحلية قانونيا، بتخصيص قسط مهم من محاصيلها الضريبية لصالح التعليم العمومي.
- إحداث ضريبة تصاعدية على الشركات لتمويل التعليم العمومي.
إلا أن هذه المطالب، التي يدركها الحس السليم، نفسها تحتاج إلى حركات مناضلة قادرة على بناء ميزان قوى، لانتزاعها. لأن أبناءنا سيلقون في وجهنا يوما السؤال المحرج: لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟

* المصادر:
- مذكرة رقم: 73، وزارة التربية الوطنية...20 ماي 2009.والمرفقات: مشروع القانون الأساسي لجمعية دعم مدرسة النجاح، مشروع اتفاقية إطار للشراكة بين الأكاديمية وجمعية دعم مدرسة النجاح، بطاقة تقنية عن أهم مراحل تأسيس الجمعية.
- التقرير التركيبي لمشروع البرنامج الاستعجالي 2009-2012 :"من أجل نفس جديد لإصلاح منظومة التربية والتكوين"، يونيو 2008.
- الدليل المرجعي ل"مشروع المؤسسة لتفعيل الحياة المدرسية وتحسين جودة التعليم" وزارة التربية الوطنية.. أبريل 2008.
- قانون تأسيس الجمعيات(ظهير 1958 مع التعديلات).
- "مشروع قراءة أولية في البرنامج الاستعجالي" المكتب الوطني لفدرالية جمعيات الآباء في 16-17 نونبر 2008.
- نص العرض الذي قدمه علال بلعربي الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم-كدش في اجتماع المجلس الأعلى للتعليم بتاريخ: الثلاثاء 9 شتنبر2008، تحت عنوان قراءة نقدية واقتراحية لمشروع البرنامج الاستعجالي2009-2011.




[1] - أنظر في هذا الصدد "مشروع قراءة أولية في البرنامج الاستعجالي" الذي صاغه المكتب الوطني لفدرالية جمعيات الآباء في 16-17 نونبر 2008، و الورقة النقدية التي قدمتها ن و ت (كدش) في شخص كاتبها الوطني علال بلعربي.