‏إظهار الرسائل ذات التسميات فكر سياسي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فكر سياسي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، فبراير 11، 2011

قراءة أولية في الصيرورة الثورية التونسية والمصرية


ليست هذه المقالة تسلية إنشائية، ولا هي ترف فكري من طرف شخص يقتعد كرسيا وثيرا وسط غرفة دافئة ويعطي النصائح البلهاء لشعوب تخوض غمار ثورتها الميدانية، وإنما هي مساهمة تحليلية من مواطن ينتمي إلى شعب يتوق أيضا إلى صناعة غد تسوده الديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية، شعب هو الآن بصدد تعلم الدروس من الثورتين التونسية والمصرية. أكتب هذه المقالة لأني أحلم مثل أبناء شعبي بتونس ثانية وثالثة ورابعة... فبقدر ما يصنع الشعبان التونسي والمصري مصيرهما المشرق، بقدر ما يتحملان مسؤولية تاريخية جسيمة، مسؤولية النموذج، إذ أن نجاح ثورتيهما أو فشلهما ستكون له حتما نتائج حاسمة إما في حفز صيرورة ثورية في صفوف كافة شعوب المنطقة أو إحباط هذه الصيرورة التي تعتمل بشكل كامن.

سأنطلق من جرد العناصر النوعية غير المسبوقة التي ساهمت في إنضاج الوضع الثوري في تونس ومصر، وفي السير به صوب سقف التغيير الجذري للأنظمة القائمة، كما سأتطرق للعناصر السلبية التي من شأنها أن تشكل كابحا لهذه الصيرورة:

- أول هذه العناصر هو الميكانيزم الجديد الذي أصبح دياليكتيك وعي الجماهير يتطور من خلاله، إذ توسل هذا الدياليكتيك بحامل جديد من طبيعة تكنولوجية، تمثل في الأنترنيت، التي هي قناة للتواصل منفلتة إلى درجة كبيرة من رقابة الأجهزة البوليسية ومن وصاية قيادات الأحزاب السياسية و بيروقراطيات المنظمات النقابية التقليدية اللاجمة لأية دينامية جماهيرية جذرية. كما أنها أكثر القنوات سرعة واتساعا وسهولة وقوة حجاجية إقناعية (الصورة، الفيديو...) وأقل كلفة مادية. فكلتا الثورتين كان حافزها الأولي تنسيقات شبابية تمت على مستوى الفضاء الافتراضي للفيسبوك والتويتر، خارج أي بنية تنظيمية قائمة في الواقع. ولا نقصد هنا إنكار الشروط الموضوعية الناضجة التي جعلت هذه الدينامية ممكنة، والمتمثلة في الافلاس المزدوج لنظام الحكم(سياسيا واجتماعيا واقتصاديا) ولأدوات مشروعيته التابعة من أحزاب ونقابات وإعلام.

- تمثلت القاعدة الإجتماعية للثورة، بشكل أساسي، في الشباب المتعلم والفئات الاجتماعية الوسطى المبلترة، بل التي تعاني بشكل أساسي من وجود اجتماعي تنعدم فيه الكرامة الإنسانية والحريات الخاصة والعامة. أما الطبقة العاملة فإنها بالإضافة إلى استيلابها الاقتصادي والاجتماعي، فإن النسبة الضئيلة المنظمة نقابيا خاضعة بشكل مطلق لوصاية غير قابلة للاختراق من قبل البيروقراطية النقابية، ومع ذلك فقد التحقت فئات منها بالسيرورة الميدانية للثورة، ولكن ليس بشكل نوعي.

- انطلاق شرارة الثورة من مناطق هامشية(سيدي بوزيد، السويس) وليس من المراكز الحضرية الكبري التي تعرف تركزات عمالية كبرى.

- تتمتع الثورتان التونسية والمصرية بمشروعية أخلاقية، كونها انتفاضة سلمية، جماهيرية ، مغطاة إعلاميا وبشكل مباشر، كسبت التعاطف الجماهيري العالمي، وأحرجت الدول الامبريالية الحليفة للأنظمة القائمة، والتي تحمل يافطة القيم الديمقراطية.

- عدم حصول حرب أهلية طويلة الأمد، يمكن أن تؤدي إلى تصفية المناضلين المتقدمين في الوعي، والذين يشكلون احتياطي كوادر النظام الثوري الجديد والمحصنين لقيم الثورة، رغم تشكيل أتباع الأنظمة البائدة لعصابات إجرامية مضادة للثورة، تحاول القيام بمهمة التصفية هذه، لكن نجاحها في كان نسبيا.

- بروز بوادر وضعية "ازدواجية السلطة"، المتمثلة في اللجان الشعبية في الأحياء وبعض المعامل، وهو مؤشر على الوعي الأولي للجماهير بإمكانية التنظيم الذاتي وأخذ زمام أمورها بيدها.

- مطالبة العمال والمستخدمين بمحاسبة وإقالة الرؤساء المديرين العامين وفضح كشوفات حساباتهم، وحماية مؤسساتهم من النهب، مؤشر على بداية الوعي بأن السلطة داخل مؤسسات الإنتاج هي لمن يعمل فيها.

- مصادرة وتأميم ثروات العائلة الحاكمة في تونس، وإحالة بعض أكباش الفداء من المغتنين من النظام القائم في مصر على أنظار القضاء تحت ضغط الجماهير، يمكن أن تشكل بداية لإرساء العدالة الاجتماعية.

- غياب حزب "بلشفي" قائد للثورة بشكل مباشر ومهيمن ، يمكن أن يؤدي إلى صيرورة تبقرط بعد نجاح الثورة، ولكن هناك وجه آخر وهو إمكانية تكالب قوى المعارضة على ماحققته الجماهير وسرقة ثورتها. فهي أحزاب انتهازية في ممارستها، وغير شعبية في قاعدتها المصلحية الطبقية، ولذلك فالأفق السياسي الذي يمكن أن تعطيه للثورة محدود. وهذا ما ظهر جليا من خلال قبول المعارضة التونسية بالشكل الانتقالي غير المتناسب مع الزخم الثوري، كما يظهر ذلك أيضا بوضوح من خلال المفاوضات المشبوهة التي تخوضها المعارضة المصرية مع النظام وتحويرها للبرنامج الثوري الجذري الذي يحمله الشباب الثائر، من خلال مراهنتها على عمر سليمان قائد المخابرات التي تعتبر عصب النظام القائم، وبعض موظفي الإمبريالية العالمية مثل البرادعي، ومن خلال التطمينات التي ترسلها هذه المعارضة للقوى الامبريالية والصهيونية، وكما يظهر ذلك ايضا من خلال تصريحات قيادات حزب الوفد الذي يعلن تخوفاته المضحكة من فراغ دستوري...كذا.

- كشف النظام المصري عن وجهه الهمجي من خلال التهديد المباشر الذي تضمنه خطاب مبارك(الاستقرار أو الفوضى) وتنفيذ هذا التهديد في اليوم الموالي(مجازر ميدان التحرير والسويس والاسكندرية...آلاف الجرحى ومئات القتلى)، مما يعمق عداء الجماهير له ويحصن جذوة الثورة من الخمود بفعل مناورات الاحتواء الأيديولوجي التي يقوم بها هذا النظام..

- ستدعم الإمبريالية عملاءها إلى آخر المطاف (مبارك، بقايا نظام بنعلي)، كما يبدو من خلال مواقفها الملتبسة والمتذبذبة. ولكن حتى عندما تقبل برحيل مبارك في مصر، فإنها لن تقبل إلا بالأجندة التي تناسبها بعد هذا الرحيل.

- الجيش عنصر جوهري في النظام ، وقياداته تشكل مكونا أساسيا من الطبقة الحاكمة ذات الامتيازات، بالإضافة إلى قرب هذه القيادات من الإدارة الأمريكية، رغم الاختلاف غير النوعي بين المؤسستين العسكريتين في كل من تونس ومصر. ورغم مشروعيتهما الشعبية، فإن حقيقتها بدأت تنكشف شيئا فشيئا، بالتناسب مع تجذر السيرورة الثورية للجماهير وصمودها( ترك الجيش لجماعات المجرمين التابعين للنظام الدخول إلى ميدان التحرير، واستمرار تقتيل أبناء الشعب التونسي الرافضين لمهزلة الحكومة الانتقالية...).

وبناء على كل هذه العناصر سواء المحفزة للصيرورة الثورية أو الكابحة لها، يمكن أن نخلص إلى الخلاصات التالية:

- ينبغي الحفاظ على روح التنظيم الذاتي للجماهير، وتوسيع مداها لتشكل نواة لنظام ديمقراطي جديد، أو على الأقل ثقل موازن، أو سلطة رقابة شعبية مضادة، تنبغي المطالبة بترسيمها دستوريا.(نموذج بورتو أليغري في البرازيل).

- ينبغي لقوى المجتمع المدني، واللجان الشعبية والمثقفون النقديون، والقوى السياسية الثورية ذات النزعات غير الهيمينية وغير العصبوية أن تناضل من أجل الحفاظ على المضمون الجذري للثورة(المطالبة برحيل رموز النظام القديم في تونس، و إقامة مجلس تأسيسي يبلور دستورا ديمقراطيا حقيقيا يطرح للاستفتاء الشعبي الحر، ويتضمن تغييرا لبنى النظام البائد سواء في تونس أو في مصر).

- ينبغي لمجموعات الشباب الثوري تعبئة رجال الأمن(استثمار مطالبتهم بتأسيس نقابة في تونس) والضباط الصغار والمتوسطين في الجيش من أجل دمقرطة هذه المؤسسات.

- حماية الثورة من العدوى الإسلاموية حتى لا يتكرر النموذج الإيراني، ورفع مطلب العلمانية بوضوح(تعميقها وتصحيحها في تونس، واستثمار التعدد الديني في مصر).

- المطالبة بإلغاء "الدين الكريه"، الذي ضخته الحسابات السرية والعلنية للأنظمة البائدة باسم شعوبها(ثروة آل مبارك تقدر ب 70 مليار دولار)، والذي يمكن أن يرهن التنمية المستقلة لاقتصاد النظام الثوري الوليد.

- بناء تنظيمات نقابية من القاعدة لأن المركزيات الموجودة متعفنة وغير جماهيرية ولا تشكل مكسبا تنظيميا.

- الدفع بسيرورة المصادرة والتأميم إلى أقصى حد ممكن، من أجل توفير القاعدة المادية لإعادة توزيع عادلة للثروات.

- التشبت بمحاكمة أقطاب النظام القديم والمطالبة باستعادة ثروات الشعب المنهوبة.

- إعادة النظر في الالتزامات المجحفة سواء مع القوى الامبريالية أو مع الكيان الصهيوني في حالة مصر.

- الالتفات، بعد نجاح الثورة، إلى تعزيز العلاقات الدولية جنوب-جنوب من أجل تكوين ثقل موازن للسيطرة الامبريالية.

وفي الأخير لا بد من التنويه بأن العامل الحاسم لنجاح الثورتين التونسية والمصرية، هو عدم تركهما منعزلتين، أي اشتعال أوضاع ثورية وحركات إصلاح الجذرية في المنطقة برمتها.

فلتشتعل تونس ثالثة ورابعة وخامسة.....

الأربعاء، يونيو 24، 2009

مشروع نقد1 للخطاب السياسي "الحداثي" في المغرب




تزخر خطابات النخبة السياسية، غير "التقليدانية"2، في المغرب بشعارات رنانة قوامها المفاهيم التالية: الانتقال الديمقراطي، الليبرالية، دولة الحق والقانون، المجتمع المدني، وباختصار الحداثة3.. إلا أن استعمال هذه المفاهيم يتم وكأنها تحمل دلالة بديهية قبلية وكونية مطلقة. بيد أننا إذا أخضعنا تلك الخطابات لقراءة متفحصة، نقف على قدر كبير من اللبس و الخلط يكتنف ذلك الاستعمال، خاصة في غياب استحضار السياق التاريخي الذي تبلورت في إطاره هذه المفاهيم أول مرة، ومقارنته بسياق الواقع الراهن للمجتمع المغربي عبر قراءة تشخيصية لهذا الواقع، وكأن الأمر يتعلق بمفعول سحري للغة من شأنه أن يدب في الواقع السياسي بمجرد إدخال تلك المفاهيم إلى بنية الخطاب السياسي. لكن هيهات!
في محاولة تأصيلنا لهذه المفاهيم، سنحاول انتهاج المنهج الذي نقول بغيابه عند حاملي الخطاب السياسي "التحديثي"، ونقصد المنهج التاريخي الذي يستنطق دلالات المفهوم في ضوء المتن الأصلي الذي حواه، ويستنطق محتوى المتن في ضوء السياق التاريخي الذي أنتج فيه. ونحن لا نتبنى هنا حتمية ميكانيكية تزعم أن الفكر نتاج مباشر للواقع و لا العكس، وإنما نتبنى منظورا جدليا ينظر إلى علاقة الفكر بالواقع من زاوية تفاعلهما وتأثيرهما المتبادل، رغم الإقرار بأسبقية الثاني على الأول وتحديده له "في نهاية المطاف"(حسب تعبير فريدريك إنجلز).
تتمثل الفرضية التي توجه هذا البحث، في أن الجهاز النظري لمفهوم الحداثة ومكوناته الدلالية الأخرى، ما هو إلا العصارة النظرية والوجه الفلسفي لصيرورة تاريخية شاملة، قوامها التحولات النوعية التي عرفتها أوربا، على مدى قرون، من حركة الإصلاح الديني إلى الثورة الصناعية مرورا بعصر النهضة والأنوار الذي توجته الثورة الفرنسية كمحطة انتقال طفري في التاريخ السياسي الأوربي، في مستويات الاقتصاد والسياسة والشأن الروحي والعلاقات الاجتماعية...
غير أن المجال هنا لا يسمح لنا بدراسة مجمل الأدبيات الفلسفية السياسية التي أنتجت خلال القرنين 17 و 18، والتي تشكل المرجعية النظرية للمفاهيم المكونة لل"مشروع التحديثي". لذلك سنركز على واحد من أبرز الأسماء المؤسسة، وهو الفيلسوف والسياسي الإنجليزي جون لوك( John Locke 1632-1704)، وخاصة من خلال كتابه "مقالتان في الحكم المدني". كما لن نشمل جميع تلك المفاهيم بالدراسة، وإنما سنركز على مفهوم الحق4. الذي يضعه أصحاب "المشروع السياسي التحديثي" كصفة مميزة للدولة التي يراد بناؤها: "دولة الحق". خاصة أن المقصود ب"الحكم المدني" لدى جون لوك، السلطة السياسية القائمة على "تعاقد حر" بين الناس اللذين ارتأوا تحكيم "سنة العقل"، بهدف تجاوز آفات "حالة الطبيعة"5 ، وحماية حقوقهم الطبيعية، المتمثلة في "الحياة والحرية والأملاك"، من خلال قوانين مدنية.
يعرف أندري لالاند6 الحق في معجمه الفلسفي كالتالي:" ما لا يحيد عن قاعدة أخلاقية، يعني ما هو مشروع و قانوني في مقابل ما هو فعلي وواقعي".
فالحق إذن، حسب هذا التعريف، قيمة معيارية يتحدد بالنظر إليها ما ينبغي أن تكون عليه الأفعال البشرية والممارسات والعلاقات الاجتماعية والأنظمة السياسية، في مقابل الواقع الفعلي لهذه الممارسات والعلاقات والأنظمة، هذا الواقع الذي لا يتطابق بالضرورة مع مقتضيات تلك القيمة.
غير أن هذا التمييز بين المستوى المعياري المثالي والمستوى الفعلي الواقعي، يجعلنا نميز بين معنيين للحق:
- الحق الطبيعي: ويعني المبادئ والمثل العادلة المعطاة طبيعيا، والمفطورة في العقل البشري، وهي تشكل إلزاما وواجبا أخلاقيا، ومعيارا كونيا ينبغي أن يتطابق معه كل قانون وضعي وكل ممارسة فعلية، وهذا التطابق متوقف على الإرادة الذاتية الحرة للإنسان.
- الحق الوضعي: وهو مجموع القواعد والقوانين المشرعة من طرف سلطة ذات سيادة(الدولة)، في إطار سياق اجتماعي- تاريخي معين، من أجل تنظيم الحياة الاجتماعية. فالحق هنا مرادف للقانون.
وجون لوك يتحدث عن الحق بمعنييه الطبيعي والوضعي، غير أنه يجعل من الأول أساسا ومرجعية للثاني، بالإضافة إلى الأساس التعاقدي7. وقد شكلت دلالة مفهوم الحق عند جون لوك كما عند مجمل فلاسفة التعاقد الاجتماعي( سبينوزا، روسو...)، خلفية نظرية للشرعة الدولية المعاصرة ولخطاب ومنظومة حقوق الإنسان التي اتخذت طابعا كونيا ما دامت تدعي قيامها على أساس طبيعي فطري، وعلى مسلمة وجودها على نحو قبلي في العقل البشري، وقبل ذلك تجسد مفهوم الحق هذا في الإعلانات والدساتير التي تلت الثورة الفرنسية8.
إلا أن الدارس هنا لا يمكن أن يتجاوز النقد الماركسي لمفهوم الحق، كما بلوره فلاسفة التعاقد الاجتماعي، وكما تم إقراره في إعلان حقوق الإنسان والمواطن والدساتير الثورية التالية له، من وجهة نظر مادية تاريخية. يقول ماركس9:<< لنلاحظ قبل كل شيء أن حقوق الإنسان(...) ليست إلا حقوق عضو المجتمع البورجوازي، أي حقوق الإنسان الأناني، الإنسان المعزول عن الجماعة. إن الدستور الأكثر راديكالية، دستور 1793، قد عبر عن ذلك بوضوح:"البند2: هذه الحقوق (الطبيعية والكونية) هي: المساواة، والحرية، والأمن والملكية".(...) أين تكمن الحرية يقول البند 6" الحرية هي قدرة كل فرد على فعل كل ما لا يضر بحقوق الآخرين(...) كما أن الحدود التي يمكن لأي فرد أن يتحرك ضمنها دون أن يضر بالآخرين قد حددت من طرف القانون، تماما كما يتم تعيين الفاصل بين حقلين بواسطة وتد ما(...) إن التطبيق العملي لحق الحرية هو حق الملكية الخاصة(...) والحق في الملكية هو حق الفرد في التمتع بثروته الخاصة، واستعمالها كما يحلو له، دون الاهتمام بالآخرين وفي استقلال عن المجتمع: إنه الحق في الأنانية(...) الذي يجعل الإنسان ينظر إلى الإنسان الآخر، ليس باعتباره تجسيدا لتحقيق حريته، وإنما ،عكس ذلك، باعتباره، تجسيدا لتقييدها>>. وإذا أتينا إلى الحقين المتبقيين، أي المساواة والأمن، فإن <<دستور 1795 يحدد معنى المساواة كما يلي:"البند3: تكمن المساواة في أن القانون يسري على الجميع بدون تمييز سواء تعلق الأمر بالحماية أو المعاقبة">>. وهنا لا يكون حق المساواة إلا الوجه الآخر لحق الحرية كما هو معرف سالفا. << أما عن الحق في الأمن فيقول دستور1793 –البند 8:" يكمن الأمن في الحماية التي يوفرها المجتمع لكل فرد من أعضائه وذلك للمحافظة على شخصه، وحقوقه وممتلكاته"(...) والأمن هو المفهوم الاجتماعي الأكثر سموا للمجتمع البورجوازي، إنه مفهوم البوليس: لا يوجد المجتمع برمته إلا من أجل أن يضمن لكل فرد من أفراده المحافظة على شخصه، وحقوقه وممتلكاته>> وهنا يستنتج ماركس أن << مفهوم الأمن لا يكفي لكي يتجاوز المجتمع البورجوازي أنانيته، إن الأمن هو بالأحرى تأمين لهذه الأنانية>>.
ونستنتج معه نحن، أن نسق الحقوق الذي تأسس نظريا في خطاب فلاسفة التعاقد الاجتماعي(أهمهم جون لوك)، والذي تجسد عمليا في الدساتير الديمقراطية والشرعة الدولية، يتمركز بشكل أساسي حول حق الملكية الخاصة.
ومهما يكن من وجاهة هذا النقد الماركسي، لنظرية حقوق الإنسان، من حيث خلفيتها الأيديولوجية البورجوازية، وكون الدفاع عن الحق "المقدس" في التملك الفردي يشكل عقدة الشبكة المفاهيمية لهذه النظرية. إلا أننا لا يمكن أن نذهب مع الاستنتاج المتسرع والأخرق الذي يختزل هذه النظرية في مجرد مناورة أيديولوجية حبكها المثقفون البورجوازيون(كما كان بعض المثقفين الستالينيين العرب يذهبون إلى ذلك). بقدر ما نكتفي بالتأكيد على الشروط الاجتماعية والتاريخية التي نشأت فيها هذه النظرية. إذ لا ينبغي أن ننسى الدور التقدمي الذي لعبته البورجوازية الصاعدة ومثقفيها في التاريخ الغربي، فهي التي "جابهت الثيوقراطية بالعلمانية، والحقوق الإلهية بالعقد الاجتماعي، والامتيازات الأرستقراطية بالحقوق الطبيعية، وتراتبية الحسب والنسب واللقب بالمساواة الحقوقية بين البشر، والاستبداد الغربي بالليبرالي، والتبعية الإقطاعية بالحرية الفردية".10

أما الآن فقد آن الأوان للعودة إلى جون لوك، لنستنطق نصه، ونرى إن كان فيه ما يبرر فرضيتنا.

لقد كانت فلسفة جون لوك، متشبعة بالقيم النفعية الإجرائية التجريبية التي ميزت التفكير الأنجلوسكسوني الحديث. بيد أن هذه القيم لم تكن نتاجا صرفا للعقل- سواء أكان هذا العقل فرديا أم "كليا" بالمعنى الهيجلي- بل إنها قيم تاريخية حملتها قوة اجتماعية صاعدة، هي وليدة المجتمع الاقطاعي ونفيه(نقصد البورجوازية التجارية). وبذلك يكون لوك- شيمة فلاسفة عصر النهضة والأنوار- "مثقفا عضويا" (بالمعنى الغرامشي للكلمة) لهذه القوة الاجتماعية، يعمل على مستوى النظرية، على الانتصار لقضاياها. ولكنه ينتصر، في نفس الوقت، لمنطق تقدمي محايث لصيرورة التاريخ.
بيد أننا لن نتقدم كثيرا قبل أن نعثر على ما يعطي لكلامنا المصداقية، في نصوص لوك نفسه:
إن القضية المركزية التي دافع عنها لوك ، خاصة في المقالة الثانية من كتابه، هي قضية حق الفرد في الحرية والملكية الفردية. فكيف تناول لوك هذه القضية؟ وما هي المسوغات النظرية التي أسس عليها دفاعه عن الملكية الفردية، كنمط جديد من التنظيم الاجتماعي لعملية الإنتاج؟ وما هي دلالة هذا الدفاع بالنسبة للمشروع الاجتماعي للطبقة التجارية الواعدة آنذاك؟

إن كلا من هوبز ولوك يؤسسان حقوق الإنسان – بما فيها حق الملكية، أو على الأخص حق الملكية- على أعمق الغرائز أولية. فالأول يؤسس حق الملكية على جبرية ميكانيكية، تنطلق من "ضرورة حفظ الحركة"، وهي الحاجة الأساسية التي توجد في أصل سلوك الإنسان بل وحضارته. هذه الحاجة تعبر عن نفسها عبر" الرغبة"، ومن ثم"إرادة التملك لإشباع تلك الرغبة". وينطلق لوك بدوره من ضرورة "حفظ الحياة"، أو الحفاظ على النوع البشري وهو أساس "سنة الطبيعة" وقوانين "المجتمع المدني". ثم يمر إلى الحلقة الثانية من تسويغه الطبيعي للملكية، والمتمثلة في"العمل"، من حيث هو إنفاق للجهد في تحويل الطبيعة من حالتها الخام.
لقد أصبح حق الملكية، "حقا طبيعيا سابقا على وجود المجتمع، إذ العلاقة بين الفرد والملكية، غدت علاقة "طبيعية" طالما أن العمل الذي يوجد في أصلها، حاضر في"حالة الطبيعة"، إنه تأسيس لمصدر جديد لمشروعية الملكية الخاصة: "العمل"، عبر الاستدلال التالي:
إذا كانت << الأرض وكل ما عليها من المخلوقات الدنيا ملك مشترك بين البشر>>، وإذا كان<< لكل امرئ حق امتلاك شخصه(...) حق لا ينازعه فيه منازع>>، و<<ما كان نتاج كدحه وعمل يديه يمكن إسنادهما إليه وحده، وكل ما ينتزعه من الحال التي أوجدته الطبيعة، وتركته عليه، فقد اختلط به جهده وانضاف إليه شيء من ذاته>>، << فهو إذن ملك له>> (فصل "في الملكية")
إن في هذا الاستدلال ضرب لشرعية ملكية الإقطاعي الخامل، الذي كان ينتظر ما أنتجه الأقنان المسخرون في حماه، أو ينتظر إتاواة الفلاحين الصغار الداخلين في منطقة سيادته. بل هو ضرب لنظام الملكية العقارية الذي كان سائدا في العصور الوسطى، إذ لا الإقطاعي يملك الأرض ملكية نهائية، ولا القن يملك حتى نفسه.11
ومن ثم فهذا التحديد الجديد لمشروعية الملكية الخاصة، هو نضال ، على الجبهة الأيديولوجية، ضد مصالح الإقطاع، ومن أجل تصفية نهائية للبنية العقارية الفيودالية، التي بدأت تتأزم منذ القرن 14، وتوزيع الأرض، وهي واحدة من المهام التاريخية الكبرى الملقاة على عاتق البورجوازية الصاعدة، حتى تكمل تأسيسها لنمط جديد من الإنتاج، يستطيع الرأسمال في إطاره أن يتحكم في مجمل السيرورة الإنتاجية، من الأرض حتى السوق.
لقد اندفع لوك في عملية تبرير لحق لا محدود في التملك، تبرير عبر مراحل: أولا، "حق طبيعي" يرتكز على العمل، ثم ثانيا، إمكانية تحويل نتاج ذلك العمل إلى "نقد غير قابل للتلف".
- المرحلة الأولى: في تتبعه لأصل الملكية يقول :"هل يكون له(أي الإنسان البدائي) حق بذلك البلوط وذلك التفاح الذي استولى عليهما على الوجه السابق وهو لم يحرز موافقة البشرية جمعاء على ذلك؟ فهل كان استئثاره بما كان ملكا شائعا بين الجميع ضربا من السرقة؟>>: وبالطبع فهو يجيب بالإيجاب على التساؤل الأول، وبالسلب على الثاني، على عكس روسو الذي يعتبر أن الملكية الفردية، ابتدأت "بوضع اليد" من قبل "واضع اليد الأول"، أي بالسرقة.( كتاب أصل اللامساواة بين الناس)
يقول لوك:" إن الله قد رزقنا كل شيء بوفرة(...) فهل يؤيد الوحي صوت العقل؟ ولكن إلى أي حد أسبغه الله علينا لنستمتع به؟". الجواب:"بمقدار ما يتسنى لكل امرئ أن ينتفع به في أي غرض من أغراض الحياة قبل أن يفسد، حق له أن يتملكه بكده وجده". ويضيف:"فالله لم يخلق شيئا كي يفسده الإنسان ويتلفه"(ف30) و"لما لم يعد مدار الملكية الرئيسي اليوم، ثمار الأرض أو الوحوش اللذان يقتات بهما، بل الأرض بعينها، إذ هي تشتمل على كل شيء آخر وتحتويه...لعمري أنه من الواضح أن امتلاك الأرض يكسب أيضا على الوجه نفسه، فكل ما استطاع المرء أن يفلحه ويزرعه ويصلحه ويحصده وينتفع بثماره فهو ملك له: فإنه بعمله يستثمر من الأرض المشاع ما يستطيع استثماره(...) فكل من أطاع أمر الله هذا واستولى على قسم منها وحرثه وزرعه، يكون قد أضاف إليه شيئا هو من ملكه الخاص..." (ف31). ويضيف في موضع آخر:"فمن الجهل أن نفترض أنه(أي الله) شاء أن تبقى أبدا مشاعة ومهملة". ونقرأ في "رسالة في التسامح12":<<....الفراغ وما أشبه ذلك من النقائص هي خطيئة>>.
إن مثل هذا الكلام، من فيلسوف القرن السابع عشر- مثقف الطبقة الوسطى وبروتستاني الملة- ، يعطي لماكس فيبر بعض الحق في القول بأن: "الروح" الرئيس، أو السياق الثقافي-القيمي، الذي شكل دافعة لنشوء الرأسمالية، هو البعد الأخلاقي للعمل واعتباره عبادة.
فإنسان لوك، مقدم هنا على أنه فاعل في الطبيعة Homo faber ، بل عليه أن يكون فاعلا فيها ومحولا لها بأمر إلهي، إنه تعبير عن الصيرورة الاقتصادية التي كانت جارية آنذاك والمتمثلة في الانتقال من الاقتصاد الطبيعي إلى اقتصاد السوق الرأسمالية.
بل إن لوك لا يتردد في إعطاء مبررات"واقعية" لقاعدته في التملك تلك(أي لكل فرد حق امتلاك ما يستطيع استثماره)، ويمكننا عرض نماذج من هذه المبررات:"يوجد مقدار كاف من الأرض لانتفاع كل الناس(...) لأن من يدع مقدار ما يستطيع قرينه أن ينتفع به، يكون بمثابة من لم يأخذ شيئا"(ف32)، و "هذا المقدار نفسه لازال موفرا دون إجحاف بأحد، لأن العالم يبدو مليئا بالخيرات بعد(...) في أمريكا(...)"(ف36). مع أن حدود هذا التبرير الواقعي جلية، مادام يرتكز على واقع تاريخي مؤقت، هو واقع القارة الأمريكية خلال عصر الاكتشافات الجغرافية. كما تجدر الإشارة هنا إلى أن حديث لوك عن الأراضي الأمريكية باعتبارها أرضا مشاعا يخفي وراءه حقيقة تاريخية كبيرة هي نهب الأوروبيين لخيرات وثقافات الشعوب الأصلية التي كانت تعيش على تلك الأراضي، وهذا ما شكل إحدى الدعامات الكبرى للتراكم الأولي للرأسمال الأوروبي، وإندحار النظام الاقطاعي.
المرحلة الثانية: فإذا كانت معادلة لوك الأولى، تضع العمل في أساس الملكية الفردية، فإنه في هذه المرحلة الثانية، يمر إلى تأسيس"لحق لامحدود في التملك"13، وفق معادلة أخرى تفصح عنها العبارة التالية:<< وكما اختلفت مراتب الثروة باختلاف مراتب الجد، كذلك كان اختراع العملة وسيلة لاستيفاءها والزيادة عليها>>. فجعل النقود ذات قيمة في ذاتها، أي التحول من "قيمة الأشياء الأصلية" أو بلغة الاقتصاد السياسي اللاحق:"القيمة الاستعمالية" التي << كانت تتوقف على إفادة الإنسان منها فقط>> إلى "القيمة التبادلية" ، إذ << أصبحوا يصطلحون على أن قطعة صغيرة من المعدن الأصفر الذي لا يصيبه التلف أو الصدأ تعادل قيمتها قطعة كبيرة من اللحم أو كومة من الحبوب بكاملها>>. هذا ما أدى<<إلى اتساع الأملاك>> و<<إقرار حق المالكين الكبار>>. رغم أن لوك يعتبر أحيانا هذا التحول نتيجة <<طمع البعض في الاستيلاء على ما يفيض عن حاجتهم>>(ف37). مما يذكرنا بموقف أرسطو من << النقد الذي يولد النقد>> أو الاقتصاد النقدي(كتاب السياسات) . لكن لوك يعتبر، في أغلب الأحيان، أن ظهور النقد كان نتيجة مواضعة واتفاق البشر، لا "نتاجا لتطور التبادل من التبادل البسيط الذي يقوم على المقايضة المباشرة بين المنتوجات إلى التبادل المعمم échange généralisé أو التجارة... وبالتالي الحاجة التلقائية إلى مقابل عام équivalent general "14كما هو الواقع التاريخي الفعلي. بل إن ظهور النقد عند لوك سابق على ما يبدو، على عملية التبادل، بحيث يقول:<< وحيث يوجد شيء له فائدة المال وقيمته بين جيرانه، لا يلبث أن يسارع المرء نفسه إلى زيادة ممتلكاته>>(ف49) . ويعتبر لوك أن حق المالكين الكبار <<كان نتيجة اتفاق أيضا>>(ف36) ومواضعة، وليس نتيجة لتبدل موازين القوى الاجتماعية، التي خلقت"تقسيما اجتماعيا للعمل" بين "وظيفة المراكمة(مراكمة النتاج الاجتماعي الفائض)"، ووظيفة الإنتاج"، كما أظهر لنا الاقتصاد السياسي فيما بعد15.
نخلص إذن، إلى أن الحق في التملك الفردي أساسه التواضع ومداه اللانهاية، ومشروعيته قائمة على الأساس التالي: <<من قايض مقدارا من الجوز، بقطعة من المعدن، أعجب بلونها، أو أغنامه بصدف، أو صوفه بحصاة لامعة أو ماسة، ثم احتفظ بتلك الأشياء مدى حياته فهو لم يتعدى على حقوق الآخرين، فبوسعه أن يكدس ما شاء من هذا المتاع الباقي، لأن تجاوز حقه المشروع في التملك لا يتوقف على وفرة مقتنياته بل على تلف قسم منها، يذهب عندها سدى>>(ف46).
لقد أصبحت الثروة إذن، أي تراكم الرأسمال هدفا في حد ذاته، ويقول لوك في هذا الشأن:<<لعمري فما قيمة عشرة آلاف أو ماية ألف فدان من الأرض الفاخرة المزروعة، الحافلة بالمواشي، الواقعة بأواسط أمريكا حيث لا يتسنى لصاحبها أن يتجر مع سائر أقطار العالم ويحصل على المال عن طريق بيع محصولها؟>>(ف47). إننا نلاحظ سيرا حثيث الخطى هنا صوب مفهوم آدام سميث "الإنسان الاقتصادي" Homo economicus ( كتاب ثروة الأمم).
وبذلك يمكننا الخلوص إلى أن جون لوك أقام منظومة الحقوق المتمركزة حول الحق في الملكية الخاصة، وفي استثمارها على أساس مزدوج: طبيعي يمنحه صفتي الثبات والكونية ، وتعاقدي يمنحه الشرعية المدنية.

ورغم أن القيمة المعرفية للمقاربة اللوكية، تتراوح بين الاعتماد على المسلمات الساذجة أحيانا، والقدرة على بلورة إرهاصات النتائج العلمية اللاحقة له بقرون أحيانا أخرى، فمن الإنصاف أن نقول أن لوك لم يكن هدفه دراسة تاريخية لنشوء الملكية الفردية وتطورها، إذ كان هاجسه الأول ، إعطاء تبريرات نظرية "مقنعة" لسيرورات التراكم الرأسمالي الصاعد آنذاك. وهذا ما يفسر حضور مقولة "التواضع والاتفاق" بشكل مكثف على امتداد فصل "في الملكية"، يقول لوك: <<ولكن لما لم يعد يتسع المكان الواحد لمواشيهم، ولم يعد بوسعها أن ترعى معا، اتفقوا على الافتراق، فانتجع كل منهم مراع أرحب حيث شاء>>، و<< وهكذا وطدت دعائم الملكية التي استحدثها العمل أو الكد، بالتعاقد والاتفاق>>(ف45).
إن الملكية اعتلت سدة القضية المركزية في مقالتي"في الحكم المدني" إذ الحفاظ عليها هو << الغاية الأولى(...) لاندماج الناس في المجتمع>> - في نظره- بل هي معيار الانتماء إلى المجتمع المدني: << هذا الفريق من الناس(أي الرقيق) إنما هدروا حياتهم وحرياتهم وخسروا أملاكهم ولم يعد لهم حق التملك قط، ما داموا على حال العبودية، فاستحال اعتبارهم جزءا من المجتمع المدني، الذي يهدف قبل كل شيء، إلى المحافظة على الملكية. يقول "لاسكي" بأن لوك" أقام دولة أساس المواطنة فيها الملكية الخاصة".

كما تتجلى لنا أهمية الثروة بوضوح ، في كون لوك لم يكتفي- في تحديده لأهم الصلاحيات الطبيعية التي يعمل الفرد على تفويتها إلى الدولة- بحق التأديب ومعاقبة المذنب ، بل أكد أيضا على حق التعويض:<< قد يتفق للحاكم أن (....) إلا أنه لا يستطيع أن يسقط حق التعويض.>> إذ كان يكفي، في مجتمع القرون الوسطى، بالنسبة للأسياد الإقطاعيين الانتقام من العدو ففي ذلك رد للشرف. كما جعل من مصالح البورجوازية"مصلحة عامة" توازي بل تماهي<<ضرورة استمرار النوع البشري>>، وبذلك كان يؤسس لخلق إجماع شعبي على هذه المصالح:<< وعندها يحق لأي كان، إذا حسن عنده الحق بالانضمام إلى المعتدى عليه>>.
بل إن الملكية هي في منزلة"الحياة والحرية" بحيث إن مفهوم الملكية، كما يرد في أغلب الأحيان- في المقالتين وفي الرسالة في التسامح- يشملها جميعا: الحياة، الحرية، الملكية).

من كل هذا نستنتج أن الحداثة ليست جهازا مفاهيميا يكفي بذره في الخطاب النظري والسياسي، من أجل استنبات مجتمع حديث، وإنما هي صيرورة تاريخية تراكمية ، التأمت فيها وتفاعلت تركيبة من الشروط الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والروحية لتسفر في النهاية عن نقلة نوعية في نمط الإنتاج والتنظيم الاجتماعي والتفكير. ويمكننا أن نخلص من هذه الدراسة إلى وجوب توفر شرطين لازمين على الأقل، لكي تنطلق هذه الصيرورة: مثقفين عضويين(لهم ارتباط والتزام طبقي) مثل جون لوك، وقبل ذلك وجود طبقة اجتماعية صاعدة، تحمل مشروعا اجتماعيا بديلا و طاقة سياسية ثورية.
فهل انطلقت هذه الصيرورة يوما في المجتمعات العربية (ضمنها المغرب) ؟ وهل بإمكانها أن تنطلق؟ هل توجد مثيل للطبقة البورجوازية الثورية في تشكيلتنا الاجتماعية-الاقتصادية؟ بل هل مازالت مهمة التغيير الحداثي مرتبطة بنفس الطبقة التي ارتبط بها في الغرب، خاصة في هذه المرحلة المعولمة من اشتغال النظام الرأسمالي، وفي ظل تبعية البورجوازية المحلية للرأسمال العالمي، في إطار تقسيم لامتكافئ للعمل؟ والمثقفون والقوى السياسية التي تريد حفز هذه الصيرورة هل هم واعون بشروطها التاريخية اللازمة؟
كان هدفنا الأساسي في هذه المقالة، كما يمكن للقارئ أن يلاحظ، هو التأسيس نظريا وتاريخيا لمشروعية نقد تهافت أغلب مكونات المشهد السياسي، غير الإسلاموية (بل حتى بعض المكونات الإسلاموية أحيان شأن "حزب العدالة والتنمية")، على شعارات "الحداثة" و"التحديث". وحتى لا يساء فهمنا، فنحن نقر بضرورة إنجاز مهام التحديث الحقيقي في مجتمعنا، والقطع مع البنيات التقليدية. إلا أن نقطة البداية في هذا المشروع التاريخي هي النقد.

* الإحالات المرجعية:
1 - نستعمل مفهوم "النقد" هنا، ليس بمعنى النفي والهدم، وإنما النقد بالمعنى الكانطي، أي التساؤل عن الحدود الواقعية والإجرائية للخطاب السياسي "الحداثي"، وشروط إمكان تحققه في الواقع العيني للمجتمع المغربي.
2- التقليدانية traditionnaliste تمييزا لها عن التقليدية . فالأولى هي نزعة فكرية وسياسية تعتبر الماضي نموذجا للمستقبل، أما الثانية فهي النخبة الفكرية والسياسية ذات التكوين والقيم التقليدية.
3- الحداثة modernité : مفهوم يشير باختصار شديد إلى حركة التاريخ الأوروبي ونتاجاتها منذ عصر النهضة والإصلاح الديني اللوثري حتى اليوم، ومحركه الأول صعود نمط الإنتاج الرأسمالي وتوسعه(صادق جلال العظم، ص 227)، تمييزا لها عن التحديث modernisation : و هي الصيرور المحفزة إراديا من قبل فاعلين سياسيين، مستلهمين في ذلك صيرورة الحداثة التاريخية الغربية، ومستهدفين الانتقال بمجتمعاتهم من البنى التقليدية إلى البنى الحديثة. لذلك نوثر استعمال المفهوم الأول عند الحديث عن الحداثة الغربية والمفهوم الثاني عند الحديث عن مشروع التحديث عند السياسيين العرب.
4 - وهذا على الرغم من الأهمية الجوهرية لمفاهبم أخرى مثل مركزية العقل مقابل الغيب والمجتمع المدني مقابل المجتمع الديني، والعلمانية مقابل الثيوقراطية، التي سنتركها لمناسبات أخرى.

5 - أنظر مقالتنا "الدلالات التاريخية لمفهوم "الطور الطبيعي عند جون لوك" منتدى دروبwww.doroob.com و www.anfasse.net
6 - موسوعة لالاند الفلسفية، تعريب خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، بيروت-باريس ، الطبعة الثانية 2001.
7 - أنظر الدلالات التاريخية لمفهوم الطور الطبيعي عند جون لوك ، نفس المرجع
8- إعلان حقوق الإنسان والمواطن1789، دستور 1793، إعلان حقوق وواجبات المواطن 1795.
9 - La question juive, trad, M. Simon, Ed. Bilingue Aubier
10 - د صادق جلال العظم، دفاعا عن المادية والتاريخ، دار الفكر الجديد بيروت لبنان 1990- ص35
11 - أنظر الدراسة التي ذيل بها العفيف الأخضر ترجمته للبيان الشيوعي(فصل : الاقطاع) دار الطليعة (بدون سنة).
12 - جون لوك ، رسالة في التسامح، ترجمها عن الأصل اللاتيني: د عبد الرحمن بدوي، دار الغرب الإسلامي بمعونة من اليونيسكو- ص 102.
13- Mikael Garandeau, Le libéralisme G F. Flammarion 1998
14 - E.Mandel- Traité d’économie marxiste- tome I . Edi : 10-18- p 82
15 - نفس المرجع.

الدلالات التاريخية لمفهوم "الطور الطبيعي" عند جون لوك



إننا، في كثير من الأحيان، نحاكم الانتاجات الفكرية الماضية، انطلاقا من سياقنا التاريخي والفكري الراهن، وكأن المفاهيم التي عبرها يتم التفكير، كيانات ميتافيزيقية ثابتة ومتعالية على الصيرورة التاريخية. وبذلك نجحف في حق التراث الفكري، عندما لا نقرؤه في ضوء سياقه التاريخي. وإن مفهوم"حالة الطبيعة" أو "الطور الطبيعي" في الفلسفة السياسية لفلاسفة العقد الاجتماعي خير مثال على هكذا سوء فهم، إذ يعتبره الكثير شطحا من الخيال، أو تحريفا للتاريخ البشري، أو فرضية لا تستند إلى أي أساس. فما هي دلالة مفهوم "الطور الطبيعي" في نظرية التعاقد الاجتماعي، في ضوء السياق التاريخي للقرنين السابع عشر والثامن عشر؟
في محاولتنا للإجابة عن هذا السؤال، سنركز بالأساس على جون لوك(1632-1704) من خلال كتابه الأساسي في فلسفة السياسة:"مقالتان في الحكم المدني" .
" لقد كانت المسألة السياسية، في بداية القرن السابع عشر، ذات أهمية بالغة في انكلترا غارقة في الأزمة" ، لذا كان على المفكرين السياسيين بلورة أجوبة على واقع الأزمة هذا. وبما أن الأحداث اتخذت وجهة جديدة نوعيا، كان على هؤلاء المفكرين صياغة أدوات مفاهيمية جديدة وقوية تستطيع أن تستوعب تلك الأحداث، وتساهم في توجيه منحى حركتها.
مفهوم "حالة الطبيعة" في مقابل مفهوم "المجتمع المدني": ثنائية مفهومية مثلت أبرز هذه الأدوات النظرية الجديدة، بل شكلت أرضية مؤسسة لمذهب فلسفي شغل مساحة جغرافية امتدت من الجزيرة الأنجلوسكسونية إلى القارة العجوز، ومساحة تاريخية امتدت من بداية القرن السابع عشر، مع هوبز، إلى نهاية القرن الثامن عشر مع روسو.
يصف هوبز"الوجود الطبيعي" على أنه "حالة حرب الكل ضد الكل" حيث " كل فرد هو ذئب بالنسبة للآخر" . إنها ليست ملحمة من صنع الخيال المحض، بالطبع، يل إن حالة الطبيعة هنا هي تجريد لحالة الحرب الأهلية والفوضى العارمة في انجلترا آنذاك، وهي مبرر دعوة هوبز إلى السيادة المطلقة للتنين Leviathan ، إذ لا خروج من حالة الحرب هذه" التي تمثل الجانب الأكثر بشاعة في الطبيعة البشرية" ، إلا بالاتفاق- الذي يؤسسه الحساب العقلي للمصلحة- بين جميع الأفراد المتنافسين، تعاقد على تفويض حقهم الفردي المطلق في الحفاظ على أنفسهم، إلى سلطة مدنية مركزية مطلقة الجبروت.
أما بالنسبة للوك، الذي اعتبر طور الطبيعة " حال من السلم وحسن الطوية والتعاون والبقاء، واختلافه التام عن حالة الحرب(...) رغم خلط بعضهم(يقصد هوبز) بينهما"(الفقرة19)، فلنتمعن في المقاطع التالية من المقالة الثانية من كتابه:
- "كل جرم يقترف في الطور الطبيعي، يمكن معاقبته في هذا الطور إلى الحد نفسه الذي يمكن معاقبته في دولة ما".
- إن قوانين السنة الطبيعية واضحة " وضوح قوانين الدولة الوضعية، بل هي لعمري أوضح منها وأجلى"
- " إن قوانين دولة ما لا يصح اعتبارها قوانين عادلة إلا بمقدار ما تقوم على تلك السنة الطبيعية التي ينبغي أن تفهم القوانين وتؤول على أساسها".
انطلاقا من هذه المقاطع ومن سياق الكتاب برمته، نستشف أن لوك يريد أن يجعل من "الطور الطبيعي "، نموذجا مثاليا لطبيعة النظام السياسي المنشود، لأنه-ربما- لم يجد نظام حكم قائم، يمكن الاحتذاء به، كما فعل مكيافيللي بالنسبة لقيصر بورجيا . إذ كان لوك المعبر الفكري عن مرحلة انتقالية من حاجة البورجوازية الصاعدة إلى الحكم المطلق، إلى نشدانها الديمقراطية والقضاء على الأنظمة الثيوقراطية(الحكم الديني) التي كانت تستند إلى نظرية التفويض الإلهي . وهو توظيف لفرضية "الطور الطبيعي " مخالف لما كان عليه الشأن عند مواطنه هوبز الذي استعملها – كما سبقت الإشارة- كمرآة لواقع الفوضى في المجتمع الإنجليزي آنذاك، وجعل منها فزاعة لتبرير الضرورة الملحة لدولة قوية- ولو كانت مطلقة الحكم، بل عليها أن تكون مطلقة الحكم في مثل هذه الظروف – إلا أن لوك عمل على تفادي المنزلق الذي يمكن أن يفضي إليه اتخاذه طور الطبيعة كطوبى ( نقصد هنا منزلق نبذ جميع أشكال الحكم)، بنصبه جسرا من "طور الطبيعة" إلى "طور المجتمع"، وتمثل هذا الجسر في ضرورة التعاقد بين الأفراد من أجل تأسيس حكم مدني، لتقويم "آفات واعوجاج الطور الطبيعي(...) وإني (يقول لوك) أول من يسلم بأن الطور المدني هو العلاج الأصيل لآفات الطور الطبيعي، وهي آفات جسيمة حقا في تلك القضايا التي يكون فيها المرء خصما وحكما في الوقت ذاته".
إن طور الطبيعة نموذج "للمجتمع المدني" المنشود حتى في التفاصيل: فالسلطة التشريعية نموذجها "السنة الطبيعية"، والسلطة التنفيذية نموذجها "حق الفرد في الاقتصاص من المعتدي". وبما أن الطور الطبيعي - الذي يتمتع فيه الأفراد بالحرية في انتزاع حقوقهم بأنفسهم- قائم دائما وهو المرجع كلما حاد الحاكم أو السلطة التشريعية عن شروط "التعاقد" التي أعلتهم سدة الحكم، فهو تبرير يجعل من "الثورة المجيدة" 1688- التي صيغ في خضمها الكتاب- حدثا طبيعيا حتميا. وتجدر الإشارة هنا إلى أن لوك، عندما يماثل حكم الطاغية المطلق بالطور الطبيعي، فهو يركز إذاك على ما أسماه "آفات الطور الطبيعي"، ما دام الملك في إطار الحكم المطلق يكون هو"الخصم والحكم في الوقت ذاته"، بل إن هذا الحكم أسوء من الطور الطبيعي في نظره:" فإذا كان الحكم المدني هو علاج هذه الآفات التي تنجم حتما عن كون المرء الخصم والحكم في قضية ما، وإذا كان الطور الطبيعي طور لا يطاق، فإني أود أن أعلم ما هي طبيعة هذا الحكم وميزته على الطور الطبيعي إذن، ما دام لرجل واحد متسلط على الجمهور، الحق في أن يكون الخصم والحكم، ويصنع برعاياه ما شاء دون أن يستطيعوا أن يناقشوا أوامر الذين ينفذون مشيئته وكل ما يفعل: سواء أكان رائده العقل أم الجهل أم الهدى؟ وتلك أشياء لا يتوجب على البشر أن يقوموا بها، حتى في الطور الطبيعي. إن من يقضي قضاء جائرا، فيما يعنيه ويعني سواه من مشاداة، مسؤول عن أحكامه أمام سائر البشر"(ف13).
وليس الطور الطبيعي نموذجا للمجتمع المدني والقانون الوضعي في ظل الدولة الواحدة فحسب، بل هو نموذج للقانون الدولي نفسه، في نظر لوك، بحيث إن"الدول في علاقاتها بعضها ببعض، كأنما توجد جميعا في الطور الطبيعي".
من هنا يبدو جليا أن للمفاهيم النظرية، التي شكلت قوام الفلسفة السياسية الحديثة، وبالأخص عند جون لوك، صيرورة تاريخية حية ، ومحايثة للتحولات السياسية الواقعية التي اعتملت المجتمعات الأوروبية، والمجتمع الإنجليزي على وجه الخصوص. إلا أن هذا لا يلغي القيمة النظرية والصلاحية الإجرائية الراهنة لهذه المفاهيم، بشرط الوعي بمحدودية هذه الصلاحية.

- الهوامش:

1. -جون لوك "مقالتان في الحكم المدني" ، ترجمه عن النص الإنجليزي: ماجد فخري، اللجنة الدولية لترجمة الروائع، بيروت 1959.
2. من مقدمة كتاب "المواطن" لطوماس هوبز: Le citoyen ; Hobbes ; Simone Goyard- Fabre
3. طوماس هوبز " التنين": Thomas Hobbes ; Léviathan, Philosophie politique ; éd. Sirey ;1971
4. وحش بحري في الأساطير الأسيوية، استعار هوبز التسمية لكي يطلقها على الدولة المدنية المركزية القوية الناتجة عن التعاقد بين الأفراد ولكنها ليست طرفا في ذلك التعاقد.
5. -من مقدمة كتاب "المواطن".
6. نيقولو مكيافيللي - "الأمير" ضمن "تراث الفكر السياسي قبل الأمير وبعده"، ترجمة خيري حماد وتعقيب د فاروق سعد، دار الآفاق الجديدة –بيروت 2002
7. بدأ لوك في كتابة مقالتيه في الحكم المدني بعد ظهور كتاب روبير فيلمر(أحد أهم فقهاء الحق الإلهي) Patriarcha الحكم الأبوي عام 1680 وكان يهدف من وراءهما إلى إثبات فكرته عن الحرية الأصلية، وقد أفرد المقالة الأولى لمهاجمة مبدأ حق الملوك المقدس في الحكم المطلق باسم الله، وهو المبدأ الذي دافع عنه فيلمر.